بقلم : د. حُسَام الدِّين سَمِير
أُستاذ العُلُوم النَّحويَّة واللُّغويَّة المُشَارِك بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية
تحتلُّ مناسبةُ المَوْلِدِ النَّبَوِيّ الشَّريف مكانةً محوريَّةً في الوجدانِ الإسلاميّ، لا بوصفها مجرَّد حدثٍ تاريخيٍّ يُستعاد، بل بوصفها فضاءً رحبًا تتجلَّى فيه أبعادُ الإنسانِ الرُّوحيَّة والاجتماعيَّة. إنَّ مقاربةَ هذه المناسبة مِنْ منظورٍ أنثروبولوجي، يفتح آفاقًا جديدةً لفَهْمٍ أعمق لكيفيَّةِ تفاعلِ الإنسانِ مع المقدَّس، وكيف يُعِيدُ تشكيلَ هُوِيَّتِهِ من خلالِ الطُّقوسِ والرُّموز.
لا يقتصرُ الاحتفالُ بالمولِد على استذكارِ السِّيرة، بل هو طقسٌ حيٌّ يُعِيدُ إنتاجَ المعنى. فالقرآنُ الكريم يُؤَسِّسُ لهذه العلاقة الوجدانيَّة بالنبي ﷺ باعتباره ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب : 21]، والفَرَحُ بمقامِهِ هو فَرَحٌ بالرَّحمة الإلهيَّة المهداة : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس : 58]، وقد فَسَّر كبارُ المفسِّرين كالآلوسي أنَّ “رحمته” في الآية هي النَّبي محمد ﷺ.
ويتجلَّى هذا الفَهمُ في السُّنَّة النَّبويَّة حين سُئِلَ النَّبي ﷺ عن صيامه يوم الاثنين فقال : « ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ » (صحيح مسلم)، وهو أصلٌ تراثيٌّ دقيقٌ في تمييزِ يوم الميلاد بفعلٍ عباديٍّ مخصوص. ومن المنظور الأنثروبولوجي الحَدَاثيّ، يتحوَّل هذا الزَّمن الاحتفالي إلى ما أسماه ميرسيا إلياد “الزمن المقدَّس” (Sacred Time)؛ حيث ينخرط المشارك في تجربةٍ وجوديَّة تتجاوز الزَّمن اليومي، مُعيدًا إحياء لحظة الميلاد كبدايةٍ روحيَّةٍ متجدِّدة. وقد فَهِمَ علماءُ التراث كالإمام السّيوطي في رسالته “حسن المقصد في عمل المولد” هذه الممارسة كفعل “شكر لله تعالى” على نعمة ميلاد الرَّحمة المهداة.
تُعَدُّ فضاءات الاحتفال بالمولد مسرحًا لإعادةِ تشكيل الرَّوابط الاجتماعيَّة، تاريخيًّا، كما يصف المقريزي احتفالات الفاطميين، وابن خلكان احتفال الملك المظفر في إربل، كانت هذه المناسبة مهرجانًا شعبيًّا عامًّا تتلاشى فيه الفوارق، وتتعزز الهويَّة الجامعة. وهنا، يمكن استعارة مفهوم “الجماعة المتخيَّلة” (Imagined Community) للمفكِّر بنديكت أندرسون، حيث يشعر الأفراد الذين لا يعرفون بعضهم بعضًا برابطةٍ وجدانيَّةٍ عميقة من خلال المشاركة المتزامنة في الطَّقس ذاته، وهي ظاهرةٌ تتعاظم اليوم عبر وسائل الإعلام والتَّواصل الرَّقمي التي تنقل احتفالات المولد عبر العالم، فتخلق شعورًا بالانتماء الكونيّ.
إنَّ الممارسات الاحتفاليَّة، من تزيين وإطعام، ليست مجرد عادات فولكلوريَّة، بل هي أفعالٌ رمزيةٌ تُترجم قيمة “الرَّحمة” التي هي جوهر الرِّسالة المحمَّديَّة : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء : 107]. فإطعامُ الطَّعام، وهو مظهرٌ احتفالي أساسي، بمثابةِ تطبيقٍ عمليٍّ لِقِيَمِ الكَرَمِ والجُود المستمدَّة من أخلاق النّبي ﷺ الذي كان “أجود الناس” (صحيح البخاري).
وقد حمل التراث الأدبي، خاصةً في “المدائح النَّبويَّة” كبردة البوصيري وهمزية شوقي، هذه الرَّمزيَّة الثَّقافيَّة عبر القرون، محولًا الحب النَّبوي إلى إبداعٍ فني رفيع. وفي السِّياق الحداثي، يمكن فهم هذه الاحتفالات كشكل من أشكال “الأداء الثَّقافي” (Cultural Performance) الذي من خلاله تؤكِّد الجماعة على هويتها وقيمها في مواجهة التَّحولات المعاصرة. إنها ليست مجرد “تقليد مُخترَع” (Invented Tradition) بالمعنى السَّلبي، بل هي إعادة تفاوض حيويَّة مع التراث لمنحه معنى جديدًا في الحاضر، وتأكيد الهويَّة في عَالَمٍ متغير.
وختامًا، إنَّ مقاربةَ المولد النَّبويّ الشَّريف عبر هذه المستويات المتعدِّدة من الشَّواهد، يكشف عن كونه ظاهرةً إنسانيَّةً مُرَكَّبَة، يتفاعل فيها النَّص المقدَّس مع التَّاريخ الحي، والوجدان الفرديّ مع الذَّاكرة الجماعيَّة، ليظل هذا اليوم فضاءً متجددًا تتجلَّى فيه أسمى معاني الإنسانيَّة.



(
(






