|  آخر تحديث أغسطس 6, 2023 , 1:24 ص

كلاشنكوف… البندقية الروسية الخارقة


كلاشنكوف… البندقية الروسية الخارقة



يوافق يوم 10 نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام ، ذكرى ميلاد مخترع الأسلحة الروسي ” ميخائيل كلاشنكوف ” ” Михаил Калашников ” ، الذي ولد عام 1919 وتوفي عام 2013 .
ويرتبط اسم المخترع الروسي بالبندقية الآلية التي تحمل اسمه ” كلاشنكوف ” على اختلاف طرازاتها وفقاً لتاريخ صنعها، ويوصف بأنه مبدع عظيم للأسلحة النارية الخفيفة.
تمتلك روسيا تاريخاً طويلاً في صناعة المعدات العسكرية وخاصة الأسلحة الهجومية التي تعد الكلاشنكوف أشهرها. وأنتجت روسيا عدة نسخ بمواصفات متفاوتة من بندقية الكلاشنكوف التي تحرص كبرى الجيوش على تسليح مقاتليها بها .
بندقية كلاشنكوف( AK47) الرشاشة تعتبر ليس سلاحاً فقط ، وإنما أصبحت فخر الصناعة الحربية السوفييتية والروسية. تم إنتاج أكثر من 100 مليون بندقية كلاشنكوف( AK47) منذ بداية تصميمها ودخولها الخدمة في جيش الإتحاد السوفييتي عام 1974 وحتى اللحظة . وتستخدم بندقية كلاشنكوف في جيوش أكثر من خمسين دولة . وأدرجت على قائمة أبرز ابتكارات القرن العشرين. تتميز البندقيه بثمنها البخس وسهولة استخدامها وفعاليتها الهجومية، حيث تطلق 600 طلقة في الدقيقة .
هو سلاح له مميزات عديدة فهو مقارنة بأنواع الرشاشات الأكثر صلابة والأقل أعطالاً ، بل يمكننا وضع الرمل في غرفة النار وإطلاق الرصاص بشكل عادي ، إضافة لمقاومته للظروف الجوية أو الطارئة كالرطوبة العالية أو الحرارة الشديدة.

 

من هو كلاشنكوف؟
ولد ميخائيل تيموفييتش كلاشنكوف في 10 تشرين الثاني 1919 من أسرة فقيرة تعمل في مجال الفلاحة وتضمّ إلى الأم والأب 18 ولدًا، وكان هو أحد الثمانية الذين بقوا منهم على قيد الحياة.
بدأ ميخائيل حياته المهنية كعامل فني في محطة القطارات في كازاخستان حيث تعلّم الكثير من فنون علم الميكانيك. وفي العام 1938 إنضمّ الى صفوف الجيش الروسي عاملًا كتقني لدبابة هجومية، وانطلاقًا من هذا الموقع أظهر مهاراته العالية في ميدان تصنيع الأسلحة، وذلك باختراعه في سنّ العشرين عامًا بعض التجهيزات التي لاقت استحسانًا كبيرًا عند الجنرال جوكوف، أحد أشهر الضباط في تاريخ الإتحاد السوفياتي.
مع إندلاع الحرب العالمية الثانية، شارك كلاشنكوف في معركة «بريانسك» ضد الإلمان في العام 1941، وجرح في خلالها ونقل إلى أحد المستشفيات الروسية لتلقّي العلاج. ووصف ميخائيل تلك الفترة الصعبة من حياته قائلًا: « هناك (قاصدًا تلك المستشفى)، وعلى الرغم من الآلام التي كنت أعانيها بسبب جروحي، كانت هناك فكرة وحيدة تسيطر على ذهني طوال الوقت، وهي كيف يمكن اختراع سلاح يسمح بقهر الفاشيين». هذه الفكرة أثمرت بعد خمس سنوات، إذ توصّل كلاشنكوف إلى اختراع البندقية الرشاشة الهجومية  AK-47  التي حملت اسمه.
على الرغم من أن كلاشنكوف لم يكمل تعليمه، لكنه أصبح مخترعًا عظيمًا، وفي العام 1949، حين كان برتبة عريف  نال «جائزة ستالين» التي وفّرت له مبلغ مئة وخمسين ألف روبل، ما خوّله لاحقًا التفرّغ لتحسين تقنيات سلاحه والتفكير بنماذج شبيهة له.
في العام 1950 بات كلاشنكوف عضوًا في « مجلس السوفيات الأعلى»، مما جعله قريبًا من ستالين. وكان لافتًا قوله أثناء تواجده في المجلس الذي بقي فيه حتى حلّه في العام 1988 : «باستثناء زملائي في المصنع، لم أكن أعرف أحدًا ولم يكن أحد يعرفني، وعندما تم الإعلان عن تعييني كمرشّح للنيابة، صعقت». وكان معه آنذاك في المجلس شخصيات روسية بارزة في عدة مجالات، كالشاعر رسول حمزاتوف، ورائد الفضاء يوري غاغارين، والكاتب ميخائيل شولوخوف، والطبيب سفياتوسلاف فيودوروف.

 

الجندي المجهول
 حرص الإتحاد السوفياتي لعدة سنوات على إخفاء هوية كلاشنكوف، على أساس أن ذلك يندرج في سياق السرّ العسكري. وعند مغادرته البلاد برفقة زوجته لأول مرة في العام 1970 متوجهًا إلى بلغاريا، تلقى أمرًا بالمرور على مقر «جهاز الإستخبارات السوفياتية» المعروف بالـ«كي جي بي». كانت التعليمات واضحة بإخفاء هويته أمام السلطات البلغارية، لاسيما وأن المجموعة السياحية التي كان فيها، كانت ستزور مدينة كازانليك التي يوجد فيها مصنع لرشاشات الكلاشنكوف، وبالتالي كان ينبغي ألا يعرف أحد من المجموعة السياحية بهويته العسكرية.
 
معارض… من داخل السلطة
على الرغم من إنتخابه 6 مرّات في «مجلس السوفيات الأعلى»، إلا أنه لم يتمكن من تأدية دوره ضمن الحزب الشيوعي، ولم يؤيّد أبدًا السياسة التي كان ينتهجها ميخائيل غورباتشوف منذ توليه السلطة في العام 1985، والتي أدّت الى انهيار الإتحاد.
 
مخترع فقير
مع أن السلاح الذي ابتكره ميخائيل كلاشنكوف إكتسب شهرة واسعة، فأنه لم يتلق أي مبلغ من إنتاج هذا السلاح، كما أنه لم يحصل على براءة اختراع له. ومنذ العام 1994، كان ميخائيل كلاشنكوف يعيش ويعمل في إحدى القرى الواقعة شرقي روسيا. وكان يملك 30% من شركة إلمانية يديرها حفيده إيغور، وتقوم هذه الشركة بتعديل العلامات التجارية وإنتاج بضائع تحمل إسم «كلاشنكوف» مثل الفودكا والمظلّات والسكاكين.

 

“وجعي لا يحتمل”.. نصير الثوار وحليف السفاحين

حصل “ميخائيل كلاشنكوف” على وسام من الكنيسة الروسية باسم “القديس أندريه برفوزفانير”، وكان يمكن لذلك الوسام أن يكون صكّا يعفيه من آلام تأنيب ضميره، رغم أنه دافع عن نفسه بقوة في أحد المؤتمرات الصحفية، وعن قراره تصميم البنادق الهجومية من أجل الدفاع عن الوطن.
لكن في السابع من أبريل/نيسان عام 2010 -أي قبل وفاته بثلاث سنوات- كتب رسالة إلى الكنيسة الأرثوذوكسية نشرتها صحيفة “إزفيستيا” الروسية، حيث قال فيها: وجعي لا يحتمل، فهل أكون أنا “ميخائيل كلاشنكوف” ابن الفلاح المسيحي الأرثوذكسي مسؤولا عن خسارة الأرواح، إذا كانت بندقيتي قد تسببت بقتلها؟

 

 

” ميخائيل كلاشنكوف ” ” بطل وضحية ” ، خلف السلاح الذي يعرفه الجميع هناك رجل عاش العديد من المآسي، هكذا وصفته الصحفية الروسية” إيلينا جولي ” في كتابها الذي حمل عنوان ” الموت الثالث لستالين ” الصادر سنة 1989 ، لكن ميخائيل الذي حمل اسمه على أكتاف ميليشيات من أركان الأرض الأربعة كانت تؤرقه أرقام القتلى في بورصة الحروب، وحمل أوزار تلك البندقية التي لا يتجاوز وزنها 5 كيلوغرامات، لكنها تقتل ربع مليون شخص كل سنة ، فعلى مدى قرابة 66 عاماً راقب ” كلاشنكوف ” الدماء التي تسيل بسبب اختراعه.
إنه لمن الغريب أن ترث تلك البندقية التناقض الذي عاشه مبتكرها، فقد كانت نصيرة الثورات وحركات المقاومة، وأطلت من فوق أكتاف الثوار وزينت بعض الرايات والأعلام في دول مثل الموزمبيق.
ختاماً …
غزت بندقية كلاشنكوف ساحات المعارك الدامية مثلما غزت أطنان من كتب الأدب الروسي المترجمة البيوت في المشرق والمغرب، وكانت بندقية كلاشنكوف نصيرة لأصحاب الحق أحياناً ، ولكنها تنقلب أحيانا أخرى لتنصر الباطل، فذلك لم يكن خيارها ولا خيار مبتكرها، فكما يقال ليس للبندقية قلب .

 

 

بقلم: فاتن الحوسني
باحثة وكاتبة في الشؤون الدولية


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com