|  آخر تحديث أكتوبر 21, 2018 , 23:24 م

#رنا_مروان | تكتب: “نحن عندما نحزن”


#رنا_مروان | تكتب: “نحن عندما نحزن”



عندما نحزن، وينتابنا القلق والفزَع، ويتمّلكنا بقوّة كل شعور سيء ومُخيف، تبدأ آفاق الدنيا بالإختفاء من أمامنا واحِداً تِلو الآخر، لا يغزوالدمار أرواحنا وحسب وإنمّا يمتد من بقعة ٍ مِنّا إلى الخارِج، نبدأ بالذبول والانكماش ِ على أنفسنا فتبدأ الدنيا أيضاً بالذبول معنا والانقضاضعلينا، وبينما يتحوّل كُل ما فينا إلى دمار ٍ مَهيب، يتحوّل الخارج أمامنا إلى صورة بالية بالأبيضوالأسود؛ تبدو المباني أمامنا وكأنها بُنيت من آلافالسنين إلى وصل بها الحال إلى هذا الرثاء المُفزع المتهالك، تغدو السيارات وكأنها قد مُنعت منالحرَكة، ونوافذ البيوت ما عادت كما السابقمفتوحة وملونّة؛ فبعضها قد أوصدَ وكأنها الحربوبعضها ما زال مفتوحاً يُسرب الرياح المخيفة إلىالداخل ليتلاعب بالقلوب والأعصاب، أمّا ملامحنافهي أيضاً تغدو في حالة أقرب منها إلى الزوالمن أيِّ شيءٍ آخر، بريق أعيننا لا يبرح أن يتحوّلإلى رماد، واللمعة فيهما لا تعود إلا لآثار دموع ٍ قدأُستهلكت قبل وقت ليس بالبعيد، أما ذلك الخطالأحمر الدامي أسفلهما فهو لا يعود إلا لذلكالجزء الباقي من الدموع والذي لم تسمح لهالظروف بالهرب من حجرات العينين فبقي فيهماآخذاً سمة اللهيب المشتعل، والفوّهتان تحتحجرات العينين بقليل، ما هُما إلا ثقب أسود تنبثقمنه علامات التعب والإعياء الشديد، بل الاكتئابالشديد، هبوط في الحاجبين بعد تألقهما وانحصارٌ في تورّد الخدين بعد توقدِّهما وجفافقاحل من كل النواحي لا يأت ِ به إلا طرْفُ حزن ٍعظيم.

 

عندما نحزن، نبدأ بالانكماش على أنفسنا، مُغلقينأبواب منازلنا وموصدين لنوافذ شُرفاتنا، نخشىعلينا منّا أكثر من خشيتنا من أيِّ شيءٍ آخر،نهاب النورَ والضياء؛ لذلك يلجأ الواحد منا إلىالظلمة وبينما ستائر باقي النوافذ المفتوحة تتحركبإنسجام ٍ كان َ في الماضي يعني لنا سمفونيةغنّاء، إلا أنّه الآن بات يعني لنا سمفونية تُهددالبقاء؛ نهرع إليها لنغلقها فلا تنغلق، فننكمش علىذواتنا أكثر وأكثر، نخشى الاندماج مع المحيط والتواصل مع الآخرين، وبينما نخشى من أنفسناعلى أنفسنا وعلى العالم؛ يتهيأ لنا بأن تواصلناوإياه قد ينقل إليه عدوى الحزن فيدمره ويزيدنا ضعفا، فننغلق كلياً دون أدنى تفكير، ينتابنا رغبة جامحة بالبكاء إلا أنّ كل دمعة قادرة بحرارتها أنتخلق لنفسها مسارب على خديّنا، والدمعة الهاربة منهما نجدها وقد استقرّت على الأرض تنشر العدوى هِي الأخرى، فلا نبكي، ونمنع أنفسنا من البكاء خوفاً من الضياع أكثر، فتتجمع الدموع فيحجرات أعيننا كلهيب بركان مُشتعل، قابلللاندفاع في أيّ لحظة، ولذلك السبب يتشكل تحتأعيننا مباشرة ثقبين أسودين؛ يبتلعان ما يتسرّبمن الدموع ويأتيان ِ بكل علامات الإعياء والتعبكتبادل متساو ٍ وعادل، وبينما نحن على هذهالحال، يزداد انكفاؤنا على ذواتنا فلا نقدر علىالمقاومة، فنبقى عاجزين أمام ذواتنا والظروف،خائفين من كل شيء، ولكننا أجبن من أن نصارحبذلك الشيء ذواتنا؛ فنفقد ثقتنا فينا، فيزدادحزننا، فنهلك.

 

 

في الواقع إننا عندما نحزن، تنطفىء الحياة فيأرواحنا ويشتعل بذلك اللهيب الدامي في قلوبناليؤمِنَ لأجسادنا تلك الحياة المفقودة، نلجأ إلىأنفسنا فلا مُجيب، وكوننا نخشى العلن فليسهنالك فرصة ٍ للمبادرة منا للتواصل، نلتفت بعزاءأرواحنا يمنة فلا نجد إلا الفراغ، يسرَة فليسهنالك إلى مزيد من الحزن والشقاء، أسفل منّافليس هُنالك أيضاً إلى الهوان، وبينما الخارجيبدو في أعيننا بصورة الدمار فلا نجد ملجأً نهرعإليه بنظراتنا الحزينة وقلوبنا الدامية وأرواحناالمُنهكة إلا إلى الله، تشرئب أعناقنا نحو الأعلى، لتعانق بحزنها نور َ الله ورحمَته، نرجو في أعماقناأن يتبدد هذا الدمار إلى حياة من جديد، والظلامفي دواخلنا إلى نور هدىً ويقين، وأن يقتلع أسبابالحزن منّا فكأنها ما كانت هُنا أبدا، وبينما نهرعإلى كل ملجأ فلا ينفرج أمامنا إلا باب الله، تغدوصدورنا فرحةً بحبه سبحانه، تلهج بذكره، شكرهورجائه، أن يديم هذه النعمة دون أن تتبدد إلىظلام مهما ساءت الأحوال وأن يحفظها سبحانهمن الزوال.

 

لذلك، وقبل أن نُفكِّر في إحزان الغير مِنّا، فلنتذكّربأن القلوب الحزينة تشتعل بالهم وأرواحها تُعانيمن مرارة خروج الروح في الثانية ألف مرّة، فلنتذكّر أنّ صراع من يحزنون مع دموعهم أشبهبصراع يؤول إلى الجنون؛ فبينما يود الحزين أنيبكي بأعلى صوته، يهاب على الدنيا من حوله، فدموعه حارقه وفيها عدوى ضارية لا ترحم صغيراًأو كبير، فلنتذكر دائماً بأننا عندما نحزن، نفقد منحرارة أجسامنا الكثير ما يحوّلنا إلى كرة ثليجمتكتلة، وكم هو مُحزن على جسد ٍ صغير كانيفيض تحناناً في ماضيه أن يؤول إلى كرة ثليجيتمزّق فيها بفعل الصقيع المؤلم من داخله وخارجهوإليها، كم هُو مرير هذا الحزن، ينتشل الواحد منامن أشد حالاته ألقاً إلى أشدها تعاسةً وهوانا فيلحظة؛ نعم، لحظة واحده قادرة على صنع كل ذلك الفرق.

 

لا تُحزِنو، فتُهلِكو وتهلَكو وتكونو عند الله منالظالمين، ولا تحزَنو فتذبلو وتهونو؛ إنمّا الهوان أمرٌلم يُكتب ليكون من صفات المؤمنين.

 

 

بقلم: رنا مروان – ( الأردن )


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *