بقلم: المحامية شيرين كم نقش
ثمّة أشياء في الحياة لا نستطيع أن نمنعها من الحدوث، مهما أحسنّا التدبير، ولا نستطيع أن نعيدها إلى الوراء مهما طال بنا الندم. نمضي إليها بقلوبٍ تحمل أمنياتها، ثم نكتشف أن للحياة مواعيدها الخاصة، وأن بعض الأبواب تُغلق رغم أننا كنا نظنها ستظل مفتوحة.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون النضج في أن نقنع أنفسنا بأن كل شيء جميل، ولا في أن نتظاهر بالقوة أمام ما يؤلمنا وإنما في أن نتعلم كيف نعيش ما لا نستطيع تغييره، من غير أن نسمح له أن يغيّر أجمل ما فينا.
فقد يخسر الإنسان شيئًا كان يريده، لكنه لا يخسر بالضرورة قدرته على أن يكون كريمًا. وقد يمرّ بتجربةٍ قاسية، ثم يخرج منها أكثر رحمةً بمن حوله. وقد يحمل في قلبه أثرًا من خطأ قديم، فيختار أن يجعل ما بقي من أيامه أكثر وعيًا ونفعًا.
وهنا تبدأ حكاية أخرى للسخاء.
فالسخاء ليس دائمًا يدًا تخرج منها النقود، أحيانًا يكون يدًا تمتد في الوقت المناسب، ووقتًا تمنحه لمن يحتاجك، وعلمًا تتركه في عقل إنسان، وكلمةً تقولها في لحظةٍ كان يمكن للصمت فيها أن يترك جرحًا.
وقد يكون السخاء أحيانًا أرقّ من ذلك كله: أن تعرف شيئًا عن إنسان ولا تستخدمه ضده، أن ترى ضعفه ولا تفضحه، أن تفهم عثرته ولا تجعلها عنوانًا له.
فليس كل ما نعرفه عن الناس يحق لنا أن نقوله عنهم.
وفي المقابل، ليس كل ما نعرفه عن أنفسنا يجب أن يبقى حكمًا مؤبدًا علينا.
نحن أبناء ما مررنا به، لكننا لسنا أسرى له. في داخل كل إنسان مساحة قادرة على أن تبدأ من جديد؛ أن تجعل من الندم بصيرة، ومن الخسارة معرفة، ومن الخطأ بابًا إلى إنسانٍ أكثر اتزانًا.
ولهذا، ربما كان من الرحمة أن نخفف قليلًا من أحكامنا. فالإنسان الذي نراه اليوم ليس بالضرورة الإنسان الذي كان بالأمس، كما أن الصفحة الأكثر عتمة في سيرته لا تختصر الكتاب كله.
كم من شخصٍ ظنناه ضعيفًا، فإذا به يحمل صبرًا لا نراه. وكم من إنسانٍ أخطأ، ثم قضى سنواتٍ يحاول أن يكون أفضل من خطئه. وكم من قلبٍ أتعبته الحياة، لكنه ظل قادرًا على أن يمنح الآخرين شيئًا من الطمأنينة.
ذلك أن الألم لا يجعلنا دائمًا أكثر قسوة أحيانًا يجعلنا أكثر فهمًا.
وحين نعجز عن إصلاح كل ما مضى، يبقى أمامنا شيء بالغ الجمال: أن نضيف إلى ما بقي.
أن نترك وراءنا خيرًا في مكانٍ مررنا به، وطمأنينةً في قلبٍ التقيناه، ومعرفةً في عقلٍ علّمناه، وأثرًا طيبًا لا يعرف صاحبه كم كان مهمًا.
وهنا يصبح العطاء أكثر من فضيلة يصبح موقفًا من الحياة.
فأنت لا تعطي لأنك كامل، ولا لأنك لم تخطئ، ولا لأنك تجاوزت كل ما يؤلمك. تعطي لأنك تعرف معنى الاحتياج، ولأنك أدركت أن الإنسان، مهما بدا قويًا، يحتاج أحيانًا إلى قلبٍ رحيم أكثر مما يحتاج إلى نصيحة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان بعيوبه ألا ينكرها، وألا يجعلها عذرًا، وإنما أن يعمل على أن يصبح أثره أجمل منها.
فإذا كان فينا ما يستحق الإصلاح، أصلحناه. وإذا كان في ماضينا ما يؤلمنا، تعلمنا منه. وإذا عجزنا عن تغيير بعض ما حدث، غيّرنا الطريقة التي نكمل بها الطريق.
وفي النهاية، لا أظن أن الحياة تطلب منا أن نخرج منها بلا عثرات.
ربما يكفي أن نخرج منها بقلوبٍ لم تفسدها العثرات، وبأيدٍ ما زالت تعرف كيف تعطي، وبأرواحٍ تعلّمت أن الرحمة ليست ضعفًا، وأن الكرم ليس فائضًا نمنحه حين نستغني، وإنما قيمة نتمسك بها حين نعرف معنى أن يحتاج الإنسان.
وربما كان أجمل سترٍ للإنسان أن يعمل في صمت، حتى لا تعود عيوبه هي أكثر ما يُرى منه.
أن يترك في حياة الآخرين ما يجعلهم يتذكرونه بالخير، لا لأنه كان كاملًا، وإنما لأنه حين كان يستطيع أن يكون قاسيًا اختار الرحمة، وحين كان يستطيع أن ينشغل بنفسه اختار أن ينفع، وحين أثقلته الحياة، لم يمنع ذلك قلبه من أن يكون خفيفًا على قلوب الآخرين.
فليس أجمل ما يتركه الإنسان وراءه أنه عاش بلا نقص، وإنما أنه مرّ بالحياة بكل ما فيها،
ثم تركها… وفيها شيءٌ أجمل مما وجد.
أرى أن هذه أقرب إلى مقال أدبي إنساني حقيقي من النسخة السابقة: الفكرة موجودة في العمق، لكن القارئ لا يشعر أنك تشرح له الحكمة، بل كأنك تأخذه معك في رحلة تأمل حتى يصل إليها بنفسه.



(
(






