كان طائرٌ يلمع ريشُه كلَّ صباح، حتى ظنَّ أن جماله في الريش لا في الجناح.
وذات يومٍ سقطت منه ريشة، فحزن وظنَّ أن شيئًا من جماله قد ضاع.
لكنه حين طار، اكتشف أن جناحيه صارا أخف وأن السماء لم تكن تنظر إلى ريشه أصلًا.
كم من الأشياء نحزن حين تسقط منّا، ثم نكتشف بعد سنوات أنها لم تكن نحن أصلًا.
صورةٌ صنعناها عن أنفسنا ثم أحببناها حتى خفنا أن نعيش خارجها… نريد أن يرانا الناس أقوياء، فنخفي تعبنا.
ويروننا حكماء، فنخشى أن نقول: (لا أعرف) ويروننا طيبين، فنقول (نعم) حين نريد أن نقول (لا) ويروننا ناجحين، فنخشى الاعتراف بأننا أخطأنا.
ونظل في أماكن لم تعد تشبهنا، فقط لأن الرحيل سيغيّر الصورة التي اعتادها الآخرون عنّا.
وفي هدوء الأيام، يحدث الأمر الأخطر:
نبدأ في حماية الصورة أكثر مما نحمي الإنسان الذي خلفها وهكذا، تتحول الصورة التي صنعناها بأيدينا إلى سجن.
علم النفس يصف جانبًا من هذه المعاناة فحين تتسع المسافة بين الإنسان كما هو، والإنسان الذي يعتقد أنه ينبغي أن يكونه، يزداد الضغط الداخلي والشعور بالاغتراب عن الذات.
لكن المسألة أعمق من علم النفس.
فالإنسان الذي يجعل قيمته معلقة بنظرة الآخرين، يسلّم راحته لشيء متغير لا يملك السيطرة عليه.
اليوم يمدحونه، فيطمئن وغدًا ينتقدونه، فيشك في نفسه فيصبح أسيرًا للصورة، بدل أن يكون صاحبها وربما لهذا يكون التحرر الحقيقي بسيطًا ومؤلمًا في آنٍ واحد:
أن تسمح لنفسك أن تقول: أخطأت.. لا أعرف.. تعبت.. أحتاج إلى المساعدة.. غيّرت رأيي دون أن تشعر أن شيئًا من قيمتك قد سقط فالإنسان أكبر من صورته، وأعمق من سمعته.
والذين يرون وجهك لا يرون خوفك كله، ولا تعبك كله، ولا نيتك كلها، ولا المعارك الصامتة التي خضتها كي تصل إلى هذه اللحظة.
لذلك، لا تخف حين تتبدّل صورتك في عيونهم فبعض الصور لا تسقط لأننا فشلنا في حمايتها بل لأننا كبرنا ولم تعد تتّسع لنا، اتركها خلفك بهدوء، كما تترك الشجرة قشرتها.
وليس النضج أن تظلّ الشخص الذي أحبّه الناس فيك، بل أن تملك شجاعة أن تكون الشخص الذي أصبحتَ عليه.
فلا تجعل وفاءك لصورةٍ قديمة خيانةً للإنسان الذي صرتَه.
وربما كان السؤال الأصدق الذي يمكن أن نسأله لأنفسنا: متى كانت آخر مرة اخترت فيها أن تنقذ نفسك… بدل أن تنقذ صورتك؟
فما قيمة أن تبقى صورتنا كاملة أمام الناس، إذا كان الإنسان الذي صنعها يتآكل خلفها؟
صديقي … سيأتي يومٌ لا تنفع فيه المرافعة أمام أحد … لا شهرةٌ تشهد لك، ولا صورةٌ تدافع عنك… يبقى فقط ما كنتَ عليه حين غابت العيون.
فاجعل بينك وبين الله قضيةً لا تحتاج إلى محامٍ.
بقلم المحامية شيرين كم نقش



(
(






