|  آخر تحديث أغسطس 18, 2026 , 11:18 ص

بين ماء الوجه وماء الحياة


بين ماء الوجه وماء الحياة



 

 

 

ليس كل من قال: «لا أحتاج» كان مكتفيًا، وليس كل من قال: «أحتاج» كان ضعيفًا. بين الكلمتين حكاية إنسان لا نعرف عنها شيئًا.

فكم من وجهٍ ظلّ مبتسمًا، فيما صاحبه يحسب في داخله ما بقي من قدرته على الاحتمال. وكم من شخص أخفى عثرته لأن بعض العيون لا ترى في الحاجة ظرفًا عابرًا، بل نقصًا في صاحبها.

نحن نحب أن نظهر أقوياء، حتى أمام من نحب. نخفي تعبنا، نؤجل طلبنا، ونقول: «سأتدبر أمري»، ثم نمضي إلى الليل وفي القلب سؤال صغير: إلى متى؟

 

ليس عيبًا أن يحتاج الإنسان. العيب أن تجعل حاجته سببًا لإذلاله.

فالحياة لا تستأذن حين تغيّر مواقعنا قد يكون اليوم لك، وغدًا عليك. من كان يعطي قد يحتاج، ومن كان يسند قد يتعب، ومن ظن أن بابه مفتوح للناس قد يقف يومًا أمام بابٍ لا يملك مفتاحه.

ولهذا، لعل أصدق ما في الإنسان ليس قدرته على الاستغناء، وإنما قدرته على أن يحتاج دون أن يفقد نفسه.

لكن ثمة وجهًا آخر للحكاية لا يقل وجعًا: كيف نعطي؟

 

فليست كل يد تمتد بالعطاء يدًا كريمة. هناك يد تعطيك ما تحتاج، وتترك في قلبك اتساعًا يشبه الفرح ويد أخرى تعطيك الشيء نفسه، ثم تجعلك تدفع ثمنه من كرامتك كلما تذكّرت ما فعلت.

وقد يكون الشيء القليل الذي يُعطى بمحبة، أكرم من الكثير الذي تحيط به المنة ولذلك لا أدري أيهما أشد قسوة: أن يحتاج الإنسان، أم أن يجد من يذكّره بحاجته.

 

وربما لهذا كانت بعض الحقوق حين تضيع بين الناس تصل في النهاية إلى أبواب المحاكم. لا لأن صاحبها يحب الخصومة، وإنما لأن الإنسان قد يحتمل ضيق الحال، لكنه يعجز عن احتمال أن يُسلب حقه ثم يُطلب منه أن يصمت حفاظًا على الود.

 

هناك… يصبح القانون آخر ما تبقى من لغة مشتركة حين تعجز القلوب عن التفاهم.

 

ومع ذلك، تبقى أشياء لا تحكمها النصوص، أن يعرف القادر أن قوته ليست إذنًا له بإهانة من يحتاج. وأن يعرف المحتاج أن اضطراره لا يجعله أقل قيمة. وأن نفهم جميعًا أن الأدوار في هذه الحياة مؤقتة فلا أحد يضمن أن تبقى يده فوق، ولا أن تبقى يد غيره تحت.

 

ولعل أبلغ ما قيل في صيانة النفس عن الهوان:

ومن يَهُنْ يسهلِ الهوانُ عليهِ

ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ

لكن الإنسان لا ينبغي أن يعتاد الهوان، ولو اضطرته الحياة إلى الانحناء قليلًا، فثمة انحناءة نحتاجها كي نلتقط ما سقط منا، وانحناءة أخرى يريدها منا بعض الناس كي نشعر أنهم أعلى منا … والفرق بينهما… هو ماء الوجه.

 

أما ماء الحياة، فهو كل ما يعيننا على أن نكمل الطريق دون أن نفقد أنفسنا في الطريق وربما لم تكن الحكمة يومًا أن نختار بينهما، الحكمة أن نجد في هذه الحياة من يسقينا حين نعطش، دون أن يجعلنا نشعر أننا أصبحنا أصغر لأننا عطشنا.

 

فماء الحياة يُبقي الإنسان حيًا، وماء الوجه يجعله قادرًا على أن يعيش وبينهما… يمضي الإنسان.

 

 

المحامية شيرين كم نقش 

 

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com