|  آخر تحديث أغسطس 13, 2026 , 17:26 م

لا تقتلوا المرأة باسم «كلام الناس»


لا تقتلوا المرأة باسم «كلام الناس»



 

 

حين تتحول الأسرة من مساحة أمان إلى مساحة خوف… تصبح رحلة المرأة نحو ذاتها أكثر قسوة

 

هناك نساء لا يخشين الفشل بقدر ما يخشين نظرة من حولهن إذا نجحن.

 

نساء يحملن أحلامًا مؤجلة، ومشاريع لم تولد بعد، وخططًا للمستقبل، ورغبة حقيقية في التعلم والعمل والتطور وإعادة بناء الذات، لكنهن يتوقفن عند حاجز واحد:

 

«ماذا سيقول الناس؟»

 

والأصعب من ذلك أن تكون هذه العبارة هي الصوت الذي تسمعه المرأة داخل بيتها، من أسرتها، ممن يفترض أن يكونوا أول من يمنحها الأمان والثقة.

 

فالمرأة قد تتحمل نقد المجتمع، لكنها تنكسر أحيانًا أمام كلمة تأتي من شخص تحبه وتثق به.

 

ليست كل امرأة تغيّرت… امرأة تخلّت عن قيمها

 

من أكثر الصور ظلمًا للمرأة أن يُختزل تطورها في مظهرها.

 

قد تغير المرأة أسلوب ملابسها، فتختار أزياء عصرية راقية ومحتشمة، أو تهتم بمظهرها، أو تعيد بناء صورتها المهنية والاجتماعية، فيبدأ البعض بتفسير ذلك باعتباره خروجًا عن المألوف.

 

ولكن:

 

من قال إن الأناقة تناقض الاحتشام؟

ومن قال إن الحداثة تعني التخلي عن الهوية؟

ومن قال إن المرأة إذا طورت نفسها فقد تخلت عن أسرتها؟

 

المرأة تستطيع أن تكون عصرية وأصيلة في الوقت ذاته.

 

تستطيع أن تتعلم لغة جديدة، وتؤسس مشروعًا، وتظهر بصورة مهنية حديثة، وترتدي ما يليق بها من أزياء عصرية محتشمة، وتخوض مجالات جديدة، وفي الوقت نفسه تحمل احترامها لأسرتها ووطنها وقيم مجتمعها.

 

فالهوية الوطنية ليست قيدًا على التطور.

 

الهوية جذور… والتطور أغصان. ولا يمكن لشجرة أن تعيش بلا جذور، كما لا يمكنها أن تكبر إذا مُنعت أغصانها من الامتداد.

 

أخطر التنمر… هو الذي يحدث داخل البيت

 

حين يسخر المجتمع من امرأة، تستطيع أن تغلق بابًا أو حسابًا أو مجلسًا.

 

لكن حين يصبح بيتها نفسه مصدرًا للسخرية والانتقاد، فأين تذهب؟

 

حين تسمع المرأة:

 

«تغيّرتِ.»

 

«لم تعودي كما كنتِ.»

 

«لماذا تريدين أن تظهري؟»

 

«ماذا سيقول الناس؟»

 

«هذا ليس مناسبًا لكِ.»

 

«أنتِ كبيرة على هذه الأمور.»

 

قد تبدو هذه العبارات بسيطة في نظر قائلها، لكنها قد تصبح مع الوقت رسائل نفسية متكررة تقول للمرأة:

 

لا تتقدمي… لا تتغيري… لا تحاولي… ابقي كما أنتِ حتى يرضى الآخرون.

 

وهنا تبدأ المشكلة.

 

فالمرأة لا تعود تسأل:

ماذا أريد؟

 

بل تبدأ بالسؤال:

هل سيقبلون بي إذا فعلت ما أريد؟

 

وهذا هو الخطر الحقيقي.

 

نحن لا نحتاج إلى امرأة تخاف من المجتمع

 

نحن بحاجة إلى امرأة واعية بالمجتمع، لا خائفة منه.

 

الفرق كبير بين أن تحترم المرأة مجتمعها، وبين أن تلغي ذاتها لإرضائه.

 

الاحترام لا يعني الاستسلام.

 

والحشمة لا تعني إلغاء الأناقة.

 

والأصالة لا تعني رفض الحداثة.

 

والاستقلالية لا تعني العقوق.

 

والطموح لا يعني التخلي عن الأسرة.

 

هذه المفاهيم تحتاج إلى إعادة ترتيب في وعينا الاجتماعي.

 

المرأة الإماراتية… نموذج للأصالة التي لا تخاف المستقبل

 

في دولة الإمارات، لم تكن النهضة يومًا مشروعًا ضد الهوية.

 

بل كانت الهوية جزءًا من النهضة.

 

والمرأة الإماراتية اليوم تقف في مواقع العلم والعمل والإدارة وريادة الأعمال والمجتمع، وتحمل في الوقت ذاته إرثًا ثقافيًا واجتماعيًا عريقًا.

 

وهذه هي الرسالة التي يجب أن نرسخها:

 

يمكن للمرأة أن تتقدم دون أن تنسلخ.

 

يمكنها أن ترتدي الأزياء العصرية المحتشمة، وأن تطور صورتها وحضورها، وأن تتعلم وتعمل وتنجح، دون أن يعني ذلك أنها أصبحت أقل إماراتية.

 

بل ربما يكون نجاحها واحدًا من أجمل أشكال الانتماء عندما تستخدم علمها وخبرتها لخدمة وطنها.

 

ماذا نفعل عندما تتغير المرأة من حولنا؟

 

لا نبدأ بالمحاكمة.

 

نبدأ بالسؤال.

 

«ماذا تريدين؟»

 

«ما الذي تخططين له؟»

 

«كيف نستطيع مساعدتك؟»

 

قد لا نتفق معها في كل شيء، ولكن يمكننا أن نختلف معها دون أن نهينها.

 

يمكن للأسرة أن تنصح دون أن تكسر.

 

أن توجه دون أن تتحكم.

 

أن تحمي دون أن تخنق.

 

أن تخاف على ابنتها دون أن تخيفها من الحياة.

 

وهذه هي التربية الواعية.

 

إلى المرأة التي تتعرض للتنمر لأنها قررت أن تبدأ من جديد

 

لا تبرري كل خطوة تقومين بها لكل شخص.

 

ليس من واجبك أن تعقدي مؤتمرًا صحفيًا تشرحين فيه لماذا قررتِ أن تتعلمي، أو تعملي، أو تبدئي مشروعًا، أو تغيري مظهرك، أو تعيدي ترتيب حياتك.

 

طالما أنك تسيرين في إطار يحفظ كرامتك، ويحترم القانون، ويحافظ على قيمك، فأنت لا تحتاجين إلى موافقة الجميع على كل تفصيل في حياتك.

 

لا تجعلي ضجيج الآخرين أعلى من صوتك الداخلي.

 

وإذا لم تجدِ التشجيع في البداية، فلا تجعلي ذلك سببًا للتوقف.

 

أحيانًا تكون أعظم مراحل النضج هي أن تتعلمي كيف تمشين بخطوات ثابتة، حتى عندما لا يصفق لك أحد.

 

وإلى الأسرة الإماراتية…

 

ابنتكم ليست مشروعًا لإرضاء المجتمع.

 

هي إنسانة لها عقل، وطموح، وقدرات، وأحلام.

 

ساندوها.

 

علموها.

 

ناقشوها.

 

وجهوها.

 

ولكن لا تجعلوا الخوف من «كلام الناس» أقوى من ثقتكم بها.

 

فالمجتمع الذي يريد امرأة ناجحة، يجب أن يوفر لها أولًا أسرة آمنة.

 

والمجتمع الذي يريد امرأة إماراتية قوية، يجب ألا يسخر منها عندما تحاول أن تصبح أقوى.

 

والمجتمع الذي يريد الحفاظ على الهوية الوطنية، عليه أن يعلّم أبناءه أن الهوية ليست خوفًا من التغيير، وإنما ثقة بالجذور وقدرة على التعامل مع المستقبل.

 

لأن المرأة حين تنجح… لا تنجح وحدها

 

نجاح امرأة واحدة قد يغيّر أسرة.

 

ووعي امرأة قد يغيّر أبناءها.

 

ومشروع امرأة قد يفتح أبوابًا لنساء أخريات.

 

وثقة امرأة بنفسها قد تكون الرسالة التي تحتاجها ابنتها حتى لا تكبر وهي تخاف من المجتمع.

 

لذلك لا نريد امرأة تعيش حياتها وهي تراقب أعين الآخرين.

 

نريدها أن تراقب ضميرها، وقيمها، وأهدافها، ومسؤوليتها.

 

نريدها أن تعرف أن بإمكانها أن تكون:

 

أصيلة دون أن تكون جامدة،

عصرية دون أن تكون متخلية عن قيمها،

أنيقة دون أن تتجاوز احتشامها،

طموحة دون أن تتخلى عن أسرتها،

مستقلة في قرارها دون أن تفقد احترامها،

وإماراتية في هويتها دون أن تخاف من المستقبل.

 

كلمة أخيرة

 

لا تجعلوا المرأة تدفع ثمن تطورها من علاقتها بأسرتها.

 

ولا تجعلوا «كلام الناس» سيفًا مسلطًا على أحلامها.

 

فالمرأة التي تحاول أن تتغير للأفضل لا تحتاج إلى من يسألها:

 

«ماذا سيقولون عنك؟»

 

بل تحتاج إلى من يقول لها:

 

«كوني أفضل نسخة من نفسك… ونحن إلى جانبك.»

 

وهنا يبدأ المجتمع الحقيقي.

 

مجتمع لا يخاف من امرأة تعرف قيمتها، ولا يعاقبها لأنها طموحة، ولا يسخر منها لأنها تطورت، ولا يضع هويتها في مواجهة مستقبلها.

 

فالمرأة الإماراتية لا تحتاج أن تختار بين أصالتها ومستقبلها…

إنها قادرة على أن تحمل الاثنين معًا، وتمضي بهما نحو المستقبل بثقة.

 

بقلم: مريم القيواني


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com