|  آخر تحديث يوليو 24, 2026 , 22:16 م

لا تجعلوا معاناتكم مادةً لتشويه وطنكم


لا تجعلوا معاناتكم مادةً لتشويه وطنكم



 

 

بقلم: مريم عبدالله القيواني

قانونية وكاتبة صحفية اعلامية 

 

ليس كل ألم يُنشر، وليس كل ضائقة تُعرض أمام ملايين المتابعين، وليس كل أزمة شخصية تستحق أن تتحول إلى قضية رأي عام.

 

فهناك فرق كبير بين طلب المساعدة عبر القنوات الرسمية، وبين تحويل المعاناة إلى محتوى رقمي يُتداول ويُقتطع ويُستغل، حتى يصبح الوطن هو من يدفع الثمن.

 

في الآونة الأخيرة، نشاهد بين الحين والآخر مواطنين أو مقيمين يلجؤون إلى وسائل التواصل الاجتماعي لعرض أزماتهم المالية أو الشخصية، ويوجهون مناشداتهم إلى أصحاب السمو الحكام أو القيادة الرشيدة أمام الجمهور، معتقدين أن هذا الطريق هو الأسرع للوصول إلى الحل.

 

ومع كامل تعاطفنا مع كل إنسان ضاقت به السبل، فإن هذا الأسلوب يثير تساؤلات جوهرية: هل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي المكان المناسب لمثل هذه القضايا؟ وهل ندرك حجم الضرر الذي قد يترتب على هذا السلوك؟

 

الإمارات دولة مؤسسات وقانون، ولم تترك المحتاج أو صاحب الضائقة دون أبواب يلجأ إليها، بل وفرت جهات رسمية وقنوات معتمدة لاستقبال طلبات المساعدة الإنسانية والمناشدات، ودراسة الحالات وفق ضوابط تحفظ كرامة الإنسان وتحقق العدالة والمساواة بين الجميع.

 

ولهذا، فإن مناشدة أصحاب السمو الحكام أو طلب الدعم والمساعدة لهما أماكنهما الرسمية، وليس من خلال منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت فضاءً مفتوحاً يشاهده العالم بأسره.

 

إن نقل المعاناة إلى الفضاء الإلكتروني لا يضمن لصاحبه حلاً، لكنه يضمن في كثير من الأحيان أن تتحول أزمته إلى مادة للتعليقات، والتنمر، والسخرية، والاستغلال، وربما الاتجار بالمشاعر من أجل زيادة المشاهدات والتفاعل.

 

والأخطر من ذلك أن هذه المقاطع لا تبقى داخل حدود الدولة، بل تنتشر عالمياً، وهناك من يقتطع منها ما يخدم أجنداته، ويستخدمها للإساءة إلى الإمارات، 

أو لتقديم صورة غير حقيقية عن مجتمعها، أو للتشكيك في مؤسساتها، فيتحول موقف فردي إلى انطباع مغلوط عن وطن بأكمله.

 

ومن الناحية النفسية، لا ينبغي أن نتعامل مع هذه الظاهرة باستخفاف.

 

فبعض من يلجأ إلى هذا الأسلوب قد يكون تحت ضغط نفسي شديد، أو يشعر بانسداد الأفق، أو يعتقد أن الانتشار الرقمي هو طريق النجاة. وقد يكون مدفوعاً باليأس، أو بتجارب شاهد فيها أشخاصاً نالوا اهتماماً واسعاً بعد نشر معاناتهم، فظن أن تكرار المشهد سيقوده إلى النتيجة نفسها.

 

لكن هناك جانباً آخر لا يمكن تجاهله، وهو ما يعرف في علم النفس بـ”تعزيز السلوك”.

 

فعندما يرى الإنسان أن الاستعطاف العلني يجلب المشاهدات والتفاعل وربما المساعدة، فإنه يكرر السلوك، ويقلده آخرون، حتى تتحول الظاهرة إلى ثقافة مجتمعية، ويصبح البعض يعتقد أن الطريق إلى الحل يبدأ أمام الكاميرا، لا عبر الجهات المختصة.

 

وفي المقابل، هناك آلاف الأشخاص يعيشون ظروفاً أشد قسوة، ويواجهون ديوناً أو أمراضاً أو مسؤوليات ثقيلة، ومع ذلك يحفظون كرامتهم، ويتوجهون إلى الجهات الرسمية، أو يجتهدون في البحث عن الحلول دون أن يجعلوا معاناتهم عرضاً عاماً.

 

ومن هنا، فإن مسؤولية المواطن والمقيم واحدة في هذا الجانب، فكلاهما شريك في المحافظة على صورة الإمارات.

 

فالحرية في التعبير لا تعني أن نغفل أثر ما ننشره، ولا أن ننسى أن كلماتنا ومقاطعنا قد تُستخدم خارج سياقها للإساءة إلى بلد احتضن الجميع، وفتح أبوابه للفرص والعمل والحياة الكريمة.

 

كما أن الوعي القانوني أصبح ضرورة لا غنى عنها.

 

فقد وضعت دولة الإمارات تشريعات تنظم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتحاسب على إساءة استخدامها أو نشر المحتوى المخالف للقانون. 

 

وقد تترتب على بعض المناشدات أو المقاطع المنشورة آثار قانونية إذا تضمنت ما يخالف التشريعات النافذة أو استُخدمت بطريقة تسيء إلى النظام العام أو تثير الرأي العام أو تتضمن معلومات أو ادعاءات غير صحيحة، ولذلك فإن اللجوء إلى القنوات الرسمية هو الطريق الصحيح والأكثر أماناً للجميع.

 

ومن هذا المنطلق، فإن نشر مناشدات أصحاب السمو الحكام أو طلبات المساعدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليس هو المسار الرسمي الذي اعتمدته الدولة، بل إن لهذه الطلبات جهات مختصة وقنوات معروفة تتولى استقبالها ودراستها بسرية واحترام، بما يحفظ كرامة صاحب الطلب ويضمن وصوله بالطريقة النظامية.

 

إن التعاطف مع المحتاج قيمة إنسانية، لكن صناعة التعاطف على حساب هيبة الدولة أو سمعة المجتمع ليست قيمة، بل سلوك يستحق المراجعة. فلا يجوز أن تتحول معاناة فرد إلى نافذة يطل منها المسيئون على الإمارات، فيشوهوا صورتها أو يسيئوا إلى شعبها وقيادتها.

 

ورسالتي إلى كل مواطن ومقيم: إذا ضاقت بك الدنيا، فاطرق أبوابها الصحيحة، والجأ إلى الجهات المختصة، واحتفظ بكرامتك، ولا تجعل لحظة ضعفك مادةً يتداولها الغرباء، أو سلاحاً يستخدمه الحاقدون ضد وطن يستحق منا جميعاً أن نصون صورته كما نصون بيوتنا وأهلنا.

 

كما أدعو الجهات المختصة إلى مواصلة نشر الوعي بالقنوات الرسمية المخصصة للمساعدات والمناشدات، وتعريف أفراد المجتمع بأن هذه القنوات هي الطريق الصحيح، وأن إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في مثل هذه الحالات قد تعرض صاحبها للمساءلة القانونية متى قامت المخالفة وفقاً لأحكام القانون.

 

فالوطن ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية كل من يعيش على أرضه.

 

وصورة الإمارات أمانة في أعناقنا جميعاً، فلا تجعلوا من معاناتكم الشخصية باباً يدخل منه من يريد الإساءة إليها، ولا تجعلوا وسائل التواصل الاجتماعي بديلاً عن مؤسسات الدولة التي وُجدت لخدمتكم وحفظ حقوقكم وكرامتكم.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com