|  آخر تحديث يوليو 12, 2026 , 22:58 م

لا تُجادل يا صديقي من يبحث عن الغَلَبَة


لا تُجادل يا صديقي من يبحث عن الغَلَبَة



 

يا صديقي…

في الحياة، كما في ساحات العدالة، ليست كل معركة تستحق أن تُخاض، وليست كل قضية يكون الانتصار فيها هو الغاية الأسمى. فقد تعلمتُ من سنوات الوقوف بين النصوص والدفوع والمرافعات أن أعظم الانتصارات ليست دائمًا تلك التي تُعلن أمام الآخرين، بل تلك التي تحفظ للإنسان اتزانه، وكرامته، ونقاء مقصده.

 

ستلتقي بأشخاص يفتحون آذانهم دون أن يفتحوا عقولهم، ويطلبون الحوار لا رغبة في الوصول إلى الحقيقة، بل بحثًا عن ثغرةٍ ينتصرون بها. يسألون لا لأنهم يريدون الفهم، بل لأنهم ينتظرون لحظة تعثرك، ويستمعون لا ليقتربوا من المعنى، بل ليجهزوا ردهم التالي.

 

 

وفي زمنٍ أصبحت فيه الشاشات ساحات محاكم مفتوحة، وأصبح الحكم يصدر أحيانًا قبل أن تُسمع الحقيقة، صار كثيرون لا يبحثون عن الصواب بقدر ما يبحثون عن جمهور يصفق لهم. يكفي أن يكتب الإنسان جملة حادة حتى يجد من يرفعها، ويكفي أن يهاجم فكرة حتى يُنظر إليه وكأنه انتصر عليها.

لكن الحقيقة يا صديقي لا تُقاس بعدد الإعجابات، ولا تُثبتها كثرة الأصوات، فالضجيج قد يجمع الحشود، لكنه لا يصنع الحق.

لقد تغيّر شكل الخصومة في عصرنا، لم تعد دائمًا بين طرفين في قاعة محكمة، بل قد تكون بين إنسان وحشدٍ لا يعرفه، بين فكرة وسوء فهم، بين كلمة أُخرجت من سياقها وحكمٍ صدر عليها في لحظة.

وهنا تظهر قيمة الحكمة… أن تعرف أن ليس كل استفزاز دعوة للرد، وليس كل اتهام يحتاج إلى دفاع فبعض المعارك تمنحها إجابتك حياةً لم تكن تستحقها.

 

 

ولعل أهدأ ما تعلّمته من هذا كله أن هناك ميزانًا لا يُشترى بالتصفيق، وحكمًا لا يصدر عن حشد، فمن اطمأن قلبه إلى أن هناك عدالة أدق من رأي الجمهور، وأصدق من ضجيج اللحظة، لم يعد يشعر بحاجة إلى أن يبرّئ نفسه أمام كل عين تنظر إليه بسوء ظن. فالنهر لا يجادل الصخرة التي تعترض مجراه، بل يلتف حولها بهدوء ويواصل طريقه إلى البحر، وتلك الصخرة تبقى في مكانها، أما النهر فيصل.

 

 

يا صديقي…

العاقل لا يقضي عمره في تصحيح كل صورة رسمها الآخرون عنه، فحتى النور حين يسطع قد يزعج من اعتاد العيش في الظل.

قل ما يجب أن يُقال حين يكون للكلمة أثر، واصمت حين يصبح الكلام مجرد وقود لمعركة لا تريد الحقيقة، بل تريد المنتصر.

ففي النهاية، لا يبقى من الإنسان عدد المرات التي غلب فيها غيره، بل عدد المرات التي استطاع فيها أن ينتصر على اندفاعه، وأن يحفظ أخلاقه حين كان يستطيع أن يرد بالأذى. وتذكّر أن هذا الاتزان الذي تتدرّب عليه اليوم في أصغر خصوماتك، هو ذاته الدرس الذي سيراه فيك من يكبر في كنفك يومًا، فيتعلّم دون أن تُلقي عليه محاضرة، أن الكرامة لا تُثبَت بصوتٍ عالٍ، بل بصمتٍ يليق بصاحبه.

 

 

لا تُجادل من يبحث عن الغَلَبَة…

فبعض الناس لا يريدون منك جوابًا، بل يريدون منك أن تدخل الساحة التي اختاروها لك. فمن أنت، حين تُستفزّ في المرة القادمة: صوتٌ يضاف إلى الضجيج، أم نورٌ يبقى ثابتًا مهما حاولت الريح أن تُطفئه؟

 

 

المحامية شيرين كم نقش 

 

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com