|  آخر تحديث يوليو 5, 2026 , 20:56 م

أكثر السجون اتساعًا… بلا جدران


أكثر السجون اتساعًا… بلا جدران



 

تُبنى السجون عادةً بالحجارة، وتُغلق بالأبواب، وتُحرس بالمفاتيح. فإذا ذُكرت، اتجه الخيال إلى الأسوار العالية، والممرات الضيقة، والنوافذ التي لا يدخل منها إلا قدرٌ يسير من الضوء.

غير أن للحياة سجونًا أخرى لا يراها العابرون، ولا تُرسم على الخرائط، ولا تحتاج إلى حارسٍ يقف على بابها. يدخلها الإنسان بقدميه، ثم يمضي العمر باحثًا عن المفتاح، وهو لا يعلم أنه يحمله منذ البداية.

ترى الوجوه من حولك مطمئنة، وتخال الخطى واثقة، غير أن وراء كثير من الابتسامات أبوابًا موصدة لا يطرقها أحد. فمن الناس من يسكنه خوفٌ قديم، ومنهم من يقيم في غرفةٍ بناها الذنب، وآخر يطيل الوقوف عند محطةٍ غادرها الزمن، حتى أصبحت الذكرى وطنًا، وصار الماضي عنوانًا للحاضر.

وليس أعجب من سجنٍ لا يعرف صاحبه أنه سجين.

الخوف لا يرفع صوته، وإنما يهمس. يبدّل أسماء الأشياء حتى يغدو التردد حكمة، والانسحاب تعقّلًا، وتأجيل الحياة انتظارًا للوقت المناسب، مع أن الوقت المناسب لا يولد إلا حين يجرؤ الإنسان على خطوته الأولى. وما أكثر الأحلام التي لم تمت لعجز أصحابها، وإنما ذبلت لأنها ظلت واقفة عند عتبة الخوف، تستأذن الدخول حتى انقضى العمر.

ثم يأتي الذنب، فيجعل من الذاكرة قاضيًا لا يعرف التقاعد. يعيد المحاكمة كل صباح، ويستحضر الوقائع ذاتها، ويصدر الحكم ذاته، مع أن الحياة مضت، والأيام تغيّرت، والرحمة الإلهية فتحت أبوابها منذ زمن بعيد. وما أقسى أن يغفر الله لعبده، ثم يبقى العبد ممتنعًا عن مصالحة نفسه.

وللماضي سلطانٌ خفيّ لا يُرى. لا يقيد اليدين، لكنه يثقل الخطوات. يجلس في زاوية الروح، ويعيد سرد الحكاية كلما همّ القلب أن يبدأ من جديد. حتى إذا أقبلت فرصة، نظر إليها بعين الخسارة القديمة، وإذا أشرقت نافذة، أغلقها خشية ريحٍ هبّت قبل أعوام.

وأشد هذه السجون خفاءً ذلك الذي يبنيه الإنسان من نظرات الناس. فما أكثر الذين أضاعوا أعمارهم في ترميم صورةٍ رسمها الآخرون لهم، حتى نسوا ملامحهم الأولى. يمشون بين الخلق بأثواب الرضا، بينما أرواحهم تتوارى خجلًا من نفسها، تنتظر كلمة استحسان، أو تخشى همسة نقد، كأن ميزان الحياة قد انتقل من الضمير إلى التصفيق.

وللقانون حديثه في هذا كله.

فهو يحرس المجتمع من اعتداء الإنسان على أخيه، ويصون الحقوق، ويقيم الموازين بين الخصوم، ويمنع أن تتحول القوة إلى وسيلةٍ لابتلاع الضعفاء. غير أن القانون، على جلال رسالته، يقف عند حدود الفعل، أما الرحلة التي تدور في أعماق النفس فلا يدخلها قاضٍ، ولا يحمل مفاتيحها مأمور تنفيذ.

قد يخرج السجين من محبسه وقد استرد حريته، بينما يبقى آخر طليقًا في أوراق الدولة، مقيمًا في زنزانةٍ لا يملك القضاء سبيلًا إليها. فبعض القيود لا تُفك بالمفاتيح، وإنما بالشجاعة، وبعض الأحكام لا تنقضها المحاكم، وإنما ينقضها الصدق مع النفس، والتصالح مع الماضي، والإيمان بأن الله لم يخلق القلوب لتبقى رهينة أخطائها.

وهكذا يتبين أن أخطر السجون لم تكن يومًا تلك التي أُقيمت من حجر، وإنما التي شُيّدت في أعماق الروح.

فكم من جسدٍ عاش خلف الأسوار وروحه طليقة في سماء الرضا، وكم من إنسانٍ سار في الطرقات حرَّ الخطى، بينما كان يحمل في داخله زنزانةً لا يعرف بابها، ولا يجرؤ على البحث عن مفتاحها.

 

 

 

بقلم المحامية شيرين كم نقش 

 

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com