بقلم الكاتبة الإماراتية والباحثة د. صفاء علي البريكي
حاصلة على درجة الماجستير في المناهج وطرائق التدريس
في الأول من يوليو 2026، وجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة – حفظه الله –، رسالةً وطنيةً عميقة باستقباله عددًا من المواطنين أصحاب الأسر الكبيرة الذين لديهم عشرة أبناء فأكثر، في مشهدٍ يعكس تقدير القيادة الرشيدة للأسرة الإماراتية ودورها المحوري في بناء الإنسان وصناعة مستقبل الوطن.
ولم يكن هذا اللقاء احتفاءً بعدد أفراد الأسرة فحسب، بل كان تكريمًا لسنواتٍ من العطاء والتربية، ورسالةً تؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الأسرة، حيث تُغرس القيم، ويُبنى الإنسان، وتُنشَّأ الأجيال القادرة على خدمة وطنها. وقد لخّص المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – طيب الله ثراه – هذه الرؤية بقوله: «الأسرة أساس أي مجتمع قوي».
وعندما قرأت هذا الخبر، عادت بي الذاكرة إلى والدي – رحمه الله –، الذي مضى على وفاته أكثر من عقدٍ من الزمن. كان أبًا لأربعة عشر ابنًا وابنة، ورغم كِبَر الأسرة، كان يؤمن بأن العلم هو أعظم إرث يتركه الأب لأبنائه؛ فحرص على تعليم الجميع، وغرس فيهم حب الاجتهاد، حتى أصبح أفراد الأسرة – بفضل الله – يخدمون وطنهم في مختلف الميادين.
وكان منزلنا مدرسةً للحياة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فقد جمع أربعة أجيال: جيل السبعينيات، والثمانينيات، والتسعينيات، والألفية الجديدة. واحتضنت أسرتنا – ما شاء الله – كفاءات وطنية متميزة؛ فمنهم مهندس ومهندسات، ومتخصصون في الطب والعلوم الصيدلانية، والعلوم الإنسانية والاجتماعية والتربوية والشرعية، إلى جانب حماة الوطن الذين نعتز بما يقدمونه من تضحيات في سبيل أمن دولة الإمارات واستقرارها.
وقد أسهم هذا التنوع العلمي والعمري في بناء بيئة أسرية ثرية، تعلّمنا فيها الحوار واحترام الرأي والتعاون، والاستفادة من خبرات الأجيال المختلفة. كما نشأت بيننا منافسة علمية راقية، لم يكن هدفها التفوق على الآخرين، بل السعي الدائم إلى التميز وخدمة الوطن بالعلم والمعرفة.
وبعد وفاة والدي – رحمه الله –، واصلت رحلتي العلمية، فأكملت مرحلة البكالوريوس، ثم الماجستير، وأنا اليوم طالبة دكتوراه، إيمانًا بأن العلم هو الإرث الذي لا ينقطع أثره. ومن أجمل محطات هذه الرحلة أنني التقيت بأخي مجددًا في مرحلة الماجستير داخل الحرم الجامعي نفسه بعد سنواتٍ من الدراسة، وقد نشرنا معًا أبحاثًا علميةً محكّمة، من بينها أبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي، كما شاركنا في تأليف أول كتاب لنا ضمن فريق من الباحثين، إضافةً إلى نشر مقالات علمية وصحفية، في تجسيدٍ لروح التعاون العلمي التي غرسها والدنا فينا.
وإذا كان للأب فضل الغرس والتوجيه، فإن للأم دورًا لا يقل عظمة؛ فهي المدرسة الأولى، وصانعة القيم، وحاضنة الطموح. وقد جاء توجيه سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم باعتماد مسمى «صانعة جيل» بدلًا من «ربة منزل»، تأكيدًا لمكانة الأم ودورها المحوري في بناء الإنسان.
وأرى أن هذا المسمى يليق بكل أم أفنت عمرها في تربية أبنائها على العلم والأخلاق وحب الوطن. فزوجة والدي – حفظها الله – ليست مجرد صانعة جيل، بل صانعة أجيال؛ فقد أسهمت في تنشئة عشرة من الأبناء على قيم العلم والاجتهاد، حتى أصبحوا – بفضل الله – من حملة المؤهلات الجامعية في مجالات الهندسة والطب والعلوم، وغيرها من التخصصات التي تخدم الوطن.
كما أفخر بوالدتي – حفظها الله –، فهي أيضًا صانعة أجيال، وقد أسهمت في تنشئة أربعة من الأبناء على حب الوطن والعلم، حتى أصبح بينهم حماة للوطن، ومتخصصون في العلوم الإنسانية والاجتماعية والتربوية والشرعية. وإن أعظم ما تصنعه الأم ليس بناء منزل، بل بناء إنسان صالح، نافع لدينه ووطنه ومجتمعه.
ويؤكد الإسلام مكانة الأسرة والتكاثر الصالح، فقد قال النبي ﷺ: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني).
ومن المنظور التربوي، تنسجم هذه الرؤية مع نظرية رأس المال الاجتماعي، التي تؤكد أن الأسرة هي المصدر الأول لبناء الثقة، وتعزيز التعاون، وترسيخ الانتماء، وتنمية المسؤولية الاجتماعية. فكلما كانت الروابط الأسرية متينة، ازدادت قدرة الأبناء على النجاح العلمي والمهني والإسهام الفاعل في خدمة وطنهم. والأسرة الكبيرة، حين تقوم على التربية الواعية، تصبح مدرسةً للحياة ومجتمعًا مصغرًا يتعلم فيه الأبناء المسؤولية والتكافل والعمل الجماعي، وإكمال المسيرة بوجود الوالدين أو في غيابهما، بما يعكس قوة الترابط الأسري واستمرارية الأثر التربوي عبر الأجيال.
إن تكريم أصحاب الأسر الكبيرة يجسد تقدير القيادة الرشيدة لكل أبٍ وأمٍ أسهما في تنشئة أجيال تعتز بهويتها الوطنية وتسهم في نهضة الإمارات، ويؤكد أن بناء الإنسان يبدأ من الأسرة.
وفي عام الأسرة، نستذكر بكل امتنان الآباء والأمهات الذين جعلوا من بيوتهم مدارس للقيم، ومن أبنائهم وبناتهم نماذج للعلم والعطاء والإنجاز. فالأسرة الكبيرة ليست مجرد عدد من الأبناء، بل هي مدرسة للحياة، وصانعة للأجيال، ومنبع للقيم، وأحد أهم روافد قوة الوطن واستدامة نهضته.



(
(






