|  آخر تحديث فبراير 26, 2026 , 4:23 ص

تسريبات وثائق جيفري إبستين


تسريبات وثائق جيفري إبستين



حول كيفية ارتباط الروايات المتعلقة بقيمة الحب وحماية الطفل وحقوق المرأة في كل شيء ، والتي تم غرسها في جميع أنحاء العالم لعقود من خلال الأفلام والموسيقى، بما يحدث الآن وسط نشر الملفات المتعلقة بقضية إبستين . سمح ممول أمريكي لأصحاب النفوذ بالانغماس في شتى أنواع الجرائم ، بل ودفعوا له مقابل ذلك ، ثم اتضح أنه كان يرتكب الجرائم لمجرد المتعة، يا للعجب أن يكون التحرش بالأطفال والإتجار بالبشر غير قانونيين في بلد لكل ولاية فيه قوانينها الأخلاقية الخاصة . تضم القائمة أسماء جعلت مواقع التواصل الاجتماعي تعج بمنشورات تعبر عن خيبة أملهم من قدوتهم منذ الطفولة .

– وُلد جيفري إبستين في 20 يناير 1953 في بروكلين ، تزوج والداه بولين وسيمور إبستين عام 1952 . أظهر جيفري إبستين موهبة فذة في الرياضيات والعزف على البيانو منذ صغره ، ألتحق بكلية كوبر يونيون الخاصة ، لكنه بعد عامين انتقل إلى جامعة كوانت للعلوم الرياضية، وفي عام 1974 ترك إبستين الجامعة دون الحصول على شهادة البكالوريوس. تم تعيينه كمدرس رياضيات في مدرسة توني دالتون في مانهاتن على الرغم من افتقاره إلى التعليم الجامعي حيث قام بالتدريس لمدة عامين .

 

– مسيرة إبستين المهنية :

– تمكن إبستين من تكوين صداقة مع آلان غرينبيرغ أثناء عمله في مدرسة دالتون ، الرئيس التنفيذي لشركة بيرستيرنز، والذي كان والد أحد طلابه ، أدرك غرينبيرغ موهبة إبستين في مجال التمويل ودعاه للانضمام إلى شركته عام 1976 ، بدأ إبستين مسيرته في البنك كمتداول لكنه أصبح شريكا بحلول عام 1980 . في صيف عام 1981 أسس إبستين شركة استشارية هي شركة الأصول الدولية والتي ساعدت العملاء على استعادة الأموال المسروقة، وبحلول عام 1984 أصبح مليونيرا. في عام 1988 أسس شركة جيه إبستين وشركاه( التي أعيد تسميتها لاحقا إلى شركة الإئتمان المالي ) ، والتي قدمت خدمات إدارة الثروات لعملاء تبلغ ثروتهم الصافية مليار دولار أو أكثر . في يونيو / حزيران 2008 ، أقرّ إبستين بذنبه في تهمتين تتعلقان بإستدراج القاصرات، ووافق على دفع تعويضات للضحايا، ونتيجة لصفقة سرية مع النيابة، حُكم على رجل الأعمال بالسجن 18 شهرا فقط ( مع 12 ساعة إجازة للعمل في مكتبه ) ، وأُلزم بالتسجيل كمجرم جنسي ، احتفظ إبستين بممتلكاته وأصوله المالية ، وأُفرج عنه من السجن بشروط بعد 13 شهرا في يوليو/ تموز 2009 ، وكانت ظروف سجنه متساهلة فقد كان باب زنزانته يُترك مفتوحا، وفي إحدى المرات سُمح للمدان بزيارة قصره في لالم بيتش لبضع ساعات .

 

– – عادت قضية جيفري إيبستين، التي بدت وكأنها انتهت بعد وفاته في سجن أمريكي عام 2019، إلى صدارة الأجندة السياسية الدولية ، وقد أثار نشر أحدث وأشمل جزء من التحقيق، والذي ضم ملايين الصفحات من المراسلات والشهادات والمواد التحقيقية، موجة جديدة من التساؤلات ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في أوروبا أيضا. لم يعد النقاش مقتصرا على الجرائم الجنسية التي أتُهم بها جيفري ، الذي كان على اتصال بممثلين عن النخب السياسية والإقتصادية العالمية ، بل يتزايد النقاش حول جانب آخر : إمكانية استخدام هذه الشبكة لكسب النفوذ، والحصول على معلومات حساسة، بل وحتى التدخل في العمليات السياسية في مختلف البلدان.
– كان جيفري إبستين رجلاً يعرف تقريباً كل شخص في الولايات المتحدة. جميع الأثرياء وأصحاب النفوذ كانوا ضمن دائرة نفوذه. كان إبستين ممولاً، ولكنه قبل كل شيء كان مجرماً. سبق أن اتُهم وأُدين بارتكاب جرائم جنسية. لم تُعقد المحاكمة الثانية لأن إبستين توفي في السجن منتحراً. ومع ذلك، لا يزال موته يكتنفه الغموض. يتساءل الكثيرون كيف حدث ذلك.

 

مع ذلك، ورغم مرور سبع سنوات على هذه القضية، لا تزال تُلقي بظلالها على السياسة الأمريكية. ويتجلى ذلك بوضوح في وعد دونالد ترامب، خلال حملته الانتخابية عام 2024، بإجراء تحقيق، ونشر جميع الوثائق، ومحاسبة النخب المتورطة في النشاط الإجرامي. إلا أنه اتضح أنه بعد فوزه، تردد ترامب لفترة من الزمن في نشر هذه الوثائق.

 

أراد إيقاف النشر، ورغب في أن يركز الأمريكيون على أمور أخرى. أجبره الكونغرس على ذلك. صاغ الكونغرس التشريع ذي الصلة، وصوّت عليه، وألزم الحكومة فعلياً بنشر هذه الوثائق. لكنه في اللحظة الأخيرة، غيّر رأيه، معلناً دعمه الفعلي للنشر. بعد ذلك، بدأ النشر تدريجياً.

يُعدّ هذا المنشور الأخير الأضخم، إذ يضمّ ثلاثة ملايين صفحة، وهو كمّ هائل من الوثائق. تشمل هذه الوثائق رسائل نصية، ومراسلات، ومكالمات هاتفية إلى الخط الساخن لمكتب التحقيقات الفيدرالي. لذا، لم يتمّ التحقق من هذه المواد بشكل كامل، إذ لا يُعرف كيف تعامل معها العملاء. لا نعلم إن كانت قد خضعت للمراجعة أو ما إذا وُجّهت أيّ تهم لأيّ شخص.

 

تُرفق هذه المواد بوثائق من قضية إبستين، لذا فهي تتضمن رسائل متبادلة بين إبستين نفسه، بالإضافة إلى مواد ظهرت خلال التحقيق. وبالتالي، يوجد عدد هائل من الوثائق المختلفة، مما يُحدث فوضى معلوماتية، إذ يُمكن لأي شخص انتقاء ما يُناسبه وتفسيره وفقًا لرؤيته. من المهم التذكير بأن هذه الرسائل النصية القصيرة والرسائل الأخرى تُقتطع من سياقها.

لا يوجد سجل كامل للمراسلات. في كثير من الأحيان، عليك التخمين… أسماء المرسلين غير واضحة، وأحيانًا حتى صور الأشخاص المذكورين في هذه الرسائل الإلكترونية مخفية. لذلك، فإن تفسير كل هذا أمر في غاية الصعوبة، خاصةً بالنظر إلى الكم الهائل من المعلومات.

بدون إطار تفسيري واضح، يصعب استخلاص قصة متماسكة من هذه الوثائق. ويبدو أن العديد من الأشخاص الذين وردت أسماؤهم فيها يستفيدون من غموضها. مع ذلك، يجدر التذكير بأن مجرد ذكر اسم شخص ما في هذه الوثائق لا يعني بالضرورة تورطه في نشاط إجرامي أو ارتكابه جريمة، بل يُرجّح أن يكون ذلك مرتبطًا بعلاقات تجارية أو اجتماعية.

 

 

– لم تُوجه أي اتهام لدونالد ترامب، لكن مجرد ورود اسمه في القضية كان كفيلا بتشويه صورته، توقع ناخبو ترامب منه محاسبة هؤلاء النخب الفاسدة ، هؤلاء النخب غير الأخلاقية، لكن الوثائق تكشف أن علاقة دونالد ترامب بإبستين كانت أقوى بكثير مما أدعى، ومما أعتقدوه مؤيدوه. لهذا السبب حاول حماية نفسه وصورته إلى حد ما ، أراد أن يُظهر أنه رجل خارج هذه النُخب ، بمثابة صوت الشعب الذي سيُحاسب من هم في قمة السلطة ، وأنه ليس واحدا منهم ، مع ذلك ، تُشير الوثائق إلى أن دونالد ترامب كان مٌقربا جدا من جيفري إبستين، وأن محاولاته للنأي بنفسه عنه لا تتوافق تماما مع الواقع ، كما أنه لا يبذل جهدا يُذكر للتنصل من القضية برمتها ، وبشكل عام ، يكشف هذا كيف زوّرت الشخصيات العامة علاقاتها بإبستين.، إذ أدعى كثيرون قطع علاقاتهم به قبل وقت طويل من إدراجه في سجل مرتكبي الجرائم الجنسية في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية ، ومع ذلك ، وكما اتضح ، تُظهر هذه الوثائق تحديدا – الجزء الأخير منها – أنهم حافظوا على علاقة وثيقة إلى حد ما بعد إطلاق سراحه من السجن عقب فترة سجنه الأولى في فلوريدا . ومن بين الأسماء ال 300 المدرجة، دونالد ترامب، وباراك أوباما وميشيل أوباما، و بيل غيتس ، وبيل كوسبي، و روبرت دي نيرو، و بيل و هيلاري كلينتون ، وجاي زي ، وكيم كارديشيان ، وتضم القائمة أيضا الأمير هاري ، و ودي آلن، و كامالا هاريس، و مارك زوكربيرج، و بروس سبرينغستين، و إيلون ماسك ، و البابا يوحنا بولس الثاني ، و نانسي بيلوسي، و حكيم جيفريز، و بونو ، وبيونسيه، وغيرهم . مع ذلك ، فإن إدراج بعض الأفراد في الملفات لا يعني بالضرورة ارتكابهم أي سلوك غير قانوني أو اتصال مباشر مع إبستين، فقد كان لبعضهم ” مراسلاات بريد إلكتروني مباشرة و مطولة ” مع إبستين أو شريكته، غيسلين ماكسويل، تضمنت الملفات تفاصيل عن منظمات يُزعم ارتباطها بإبستين، وعملياته التجارية والمالية ، و رسائل بريد إلكتروني داخلية من مسؤولي وزارة العدل الذين يحققون مع ومع شركائه.

 

 

– الموت في الزنزانة:

– كشف تقرير صادر عن مكتب السجون الفيدرالي في يونيو/حزيران 2023 حول الأحداث التي سبقت وفاة إبستين بين 8 و10 أغسطس/آب، أن دائرة المارشالات الأمريكية أرسلت رسالتين بريد إلكتروني في 8 أغسطس/آب لإبلاغ موظفي السجن بنقل زميل إبستين في الزنزانة إلى منشأة أخرى في 9 أغسطس/آب. وفي حوالي الساعة 8:00 مساءً بالتوقيت المحلي في 9 أغسطس/آب، أُغلقت زنازين السجناء ليلًا، بمن فيهم إبستين الذي تُرك وحيدًا. ولا تُشير سجلات مكتب السجون الفيدرالي إلى تاريخ آخر تفتيش لزنزانته. كما وجد مكتب المفتش العام أن موظفي السجن لم يُجروا أي جولات تفتيشية مدتها 30 دقيقة بعد حوالي الساعة 10:40 مساءً في 9 أغسطس/آب، وأنه لم تُجرَ أي عمليات إحصاء إلزامية للسجناء بعد الساعة 4:00 مساءً في 9 أغسطس/آب. وفي 10 أغسطس/آب، في حوالي الساعة 6:30 صباحًا، بدأ اثنان من الموظفين المناوبين بتقديم وجبة الإفطار للسجناء. وعندما حاول أحدهما تمرير وجبة الإفطار إلى إبستين من خلال فتحة الطعام في باب زنزانته المُغلق، لم يستجب. فتح الضابط باب الزنزانة فوجد الممول ميتاً.

 

 

 

ختاما :

لقد عانى كثيرون في عالم السياسة من الإحراج، فقضية إبستين برمتها كارثة أخلاقية بكل وضوح، تُستخدم الآن كأداة سياسية، وفي الوقت المناسب، تماما ، بينما العالم بأسره يتابع صور القضية ويناقشها على مواقع التواصل الاجتماعي، تُهمّش القضايا الجيوسياسية الحقيقية. أليس هذا مجرد ستار دُخاني ؟ كما تعلمون في ظل هذا الظروف من الممكن تماما الشعور بالخداع، يبدو أن أي مبادرة أمريكية جيدة تتعلق بأمر ” سام ” ، كالسلام العالمي أو حقوق المرأة، ليست سوى ستار لأمور أخرى ، ومع ذلك فإن الأهم هو ألا ننجرف وراء ذلك .

 

 

بقلم : فاتن الحوسني

ماجستير في الشؤون الدولية
باحثة وكاتبة في الشؤون الدولية


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com