|  آخر تحديث يناير 22, 2026 , 14:31 م

في عالمٍ مضطرب.. كيف بنت الإمارات قوتها الناعمة وصنعت حضوراً عالمياً مستداماً؟


في عالمٍ مضطرب.. كيف بنت الإمارات قوتها الناعمة وصنعت حضوراً عالمياً مستداماً؟



 

بقلم: يانا العلي

 

 

في ظل تصاعد التحديات الجيوسياسية وتنامي الاستقطاب الدولي، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال العقود الأخيرة كنموذج لدولة نجحت في تحويل مسارها من تنمية وطنية متسارعة إلى حضور عالمي قائم على التأثير الإيجابي، والشراكات الدولية، والدور الإنساني. هذا التحول لم يأتِ كنتيجة لعوامل اقتصادية فقط، بل كنتاج لرؤية استراتيجية طويلة الأمد جعلت من “القوة الناعمة” ركيزة أساسية في صياغة صورتها ومكانتها على الساحة الدولية.

ويعكس هذا المسار بوضوح ما حققته الإمارات في مؤشر القوة الناعمة العالمي، حيث حلّت ضمن المرتبة العاشرة عالميًا، في إنجاز يعكس قدرتها على بناء الثقة الدولية، وتعزيز سمعتها، وترسيخ نموذج يقوم على الانفتاح، والتسامح، والابتكار، والتعاون متعدد الأطراف.

يعود هذا التوجه في جوهره إلى النهج الذي أرساه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والذي جعل من الإنسان محور التنمية وغايتها. فقد قامت رؤيته على ترسيخ قيم التسامح، والتكافل، والانفتاح على الثقافات المختلفة، وبناء دولة حديثة تنظر إلى التعاون الدولي بوصفه أساساً للاستقرار والازدهار المشترك. هذا الأساس الفكري والإنساني تحوّل مع الزمن إلى سياسة دولة، انعكست في بناء مؤسسات قوية، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وتهيئة بيئة جاذبة للمواهب والاستثمارات من مختلف أنحاء العالم.

في مراحلها الأولى، ركزت الإمارات على ترسيخ الاستقرار الداخلي، وتطوير البنية التحتية، والتعليم، والاقتصاد. ومع تسارع النمو، انتقلت تدريجياً إلى لعب دور يتجاوز الإطار الإقليمي، عبر استضافة قمم دولية، ومعارض عالمية، ومنتديات اقتصادية وثقافية، جعلت من مدنها منصات للحوار وصناعة الشراكات العابرة للحدود. هذا التحول جاء مدعوماً بسياسات تنويع اقتصادي، واستثمارات في التكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة، وتطوير بيئة أعمال تنافسية على المستوى الدولي.

يشكّل التنوع الثقافي والديموغرافي أحد أبرز ملامح التجربة الإماراتية المعاصرة، حيث تحتضن الدولة مجتمعاً متعدد الجنسيات في إطار قانوني ومجتمعي يرسّخ ثقافة التعايش والاحترام المتبادل. وقد أسهم هذا النموذج في تعزيز صورة الإمارات كمساحة آمنة للحوار والتعاون، ومنصة يمكن من خلالها مدّ الجسور بين الشرق والغرب في مجالات الاقتصاد، والثقافة، والدبلوماسية.

على الصعيد الاقتصادي، عززت الإمارات مكانتها كمركز إقليمي وعالمي للتجارة والخدمات المالية والاقتصاد الرقمي، مستندة إلى شبكة واسعة من الشراكات والاتفاقيات الدولية. وفي المجال الدبلوماسي، انتهجت سياسة تقوم على دعم الاستقرار الإقليمي، والمشاركة في جهود الوساطة، وتقديم المساعدات الإنسانية في مناطق النزاعات والكوارث، ما أسهم في ترسيخ حضورها في دوائر صنع القرار العالمي كشريك في القضايا الإنسانية والتنموية.

في عالم تواجه فيه دول عديدة أزمات سياسية واقتصادية ممتدة، تُطرح التجربة الإماراتية كنموذج قابل للدراسة، يقوم على الربط بين الاستقرار الداخلي والانفتاح الخارجي، وبين التنمية الاقتصادية وبناء الثقة الدولية. ويؤكد تصنيفها ضمن العشرة الأوائل عالمياً في مؤشر القوة الناعمة أن التأثير في العصر الحديث لا يُقاس فقط بموازين القوة التقليدية، بل بقدرة الدول على صياغة صورة إيجابية، وبناء شراكات مستدامة، والمساهمة في صياغة حلول مشتركة للتحديات العالمية.

بهذا النهج، تواصل الإمارات تقديم سردية مختلفة لدور الدولة الحديثة: دولة تبني نفوذها عبر التنمية، وتعزّز حضورها عبر التسامح والتعاون، وتحول قوتها الناعمة إلى رافعة للتأثير الإيجابي وصناعة المستقبل في عالم مضطرب.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com