|  آخر تحديث ديسمبر 29, 2025 , 3:50 ص

أمهات السوشيال ميديا 


أمهات السوشيال ميديا 



بقلم: ميساء عواد

 

 

 

في زمن لم نعد نعلم اذا كان ما نراه حقيقياً ام مزيفاً ، يتزايد عدد البشر الذين يسيرون معصوبي الأعين بعصبة لا مرئية ،عصبة تحجب القلب قبل العين.

إنه الهاتف الذكي وما يقطن داخله من تطبيقات باتت ملاذ الكثيرين ممن يبحثون عن الشهرة او المال او عن إراقة الوقت هدرا او حتى عن الانشغال به عن مصاعب الحياه وهمومها او حباً في عيش حالة هروب من الواقع .

 

كل هذه الافكار المتسارعة تدفقت دفعة واحدة بعد ان شاهدت قصة قصيرة من شرفة منزلي ،حيث كنت اجلس واسمع ضوضاء خفيفة، تسللت ضحكات وكلمات غير واضحة، لكنها اثارت فضولي لعذوبتها ،نظرت الى اسفل فرأيت سيدة تمسك بيد طفلها ذو الاربعة اعوام على ما اعتقد وباليد الاخرى تمسك الهاتف الذكي وتصور فيديو وهما يتحدثان ويضحكان وتتأرجح ايديهما بخفة وهي متشابكة، بدا الطفل في غاية الفرح راقبتهما بفضول واستمتاع لم يدم لأكثر من دقيقتين فقد انتهت على ما يبدو فقرة التمثيل، وعاد الابطال للواقع او بالاحرى عادت البطلة للواقع تاركة وراءها طفلا لا يدري ما الذي يحدث ، افلتت يده وانشغلت بكلتا يديها بالهاتف وانكفأ رأسها داخل الشاشة وهما يسيران ،الا ان الولد بقي ينظر وينتظر ان تعد يد امه لتحضن يده، لكنها لم تعد ،حاول الولد ان يرفع يده ليمسك يدها لكنه لم يجد استجابة، حاول مرة ثانية و ثالثة ، لكن دون جدوى، قرر ان ينظر حوله ربما يجد ما يلفت انتباهه ايضا، اعاد الكرة لكن عبثا يحاول ففي كل مرة كانت تعود يده وحيدة باردة، اسرعت خطوات الام وأكاد أجزم أنها نسيت أنه يسير معها، أصبحت هناك مسافة بينهما فخطواته الصغيرة لا تستطيع مجاراة خطواتها السريعة وعقلها المسلوب، وقف للحظة برودتها وصلت حيث أنا ، لقد توقف الزمن وتجمدت اطرافه وانقبض قلبه على ماأعتقد ،فلا يدري ما بال امه! فمنذ لحظات كانت تنقط زهوراً وتنشر عبيراً ،ادرك انها ابتعدت فصار يجري ليلحق بها، حاول للمرة الاخيرة ان يمسك يدها بعد ان ادركها لكن عبثا، يبدو انه استسلم انزل يده واسرع في خطواته بجانب شبح امه، اصبحا بعيدين عن نظري جدا فلم اعرف هل انتهت وانتبهت للواقع الذي يسير بجانبها ام لا.

من اعطاها الحق في انتهاك حرمة قلبه ؟هل كونها امه لها هذا الحق ؟ هذا حال امهات السوشيال ميديا! واقع مهمل وعالم افتراضي تحت المجهر، نِعَمٌ غير مرئية وأوهام تعاش على انها حقيقة ، ضاربات بعرض الحائط ارواحاً كن سببا في قدومها للحياه وامانة قبلن حملها ، لكن على ما يبدو كانت اثقل مما ظنن فآثرن استغلالها لتحقيق مكاسب مادية ومعنوية، لا نطلق الاحكام ولكن الواقع يضرب في الصميم .

 

هذا واقعنا الذي يفرض نفسه دون هوادة ،لكننا اذا استسلمنا له دون ان يخضع للرقابة الذاتية ودون تقييم وتقنين قد نخسر ما نملك فعليا .

جميلة هي الحضارة والتقدم، لكن الاجمل هو ان نستخدمها ونحن بكامل قوانا العقلية والروحية و الحسية، جميلة هي لحظات السعادة التي نشاركها مع غيرنا لكن الاجمل ان نعيشها بكل ما فينا من حياه مع من نحب.

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com