|  آخر تحديث ديسمبر 25, 2025 , 2:06 ص

بوريس باسترناك: كيف أثارت روايته ” دكتور زيفاجو ” جدلاً واسعاً في الإتحاد السوفييتي؟


بوريس باسترناك: كيف أثارت روايته ” دكتور زيفاجو ” جدلاً واسعاً في الإتحاد السوفييتي؟



بوريس باسترناك ، نعته إتحاد كتاب الإتحاد السوفييتي بخيانة الوطن والسقوط الأخلاقي، وقالتا في قرارهما بهذا الصدد : ” إن مثل هذه التصرفات تستهدف النيل من تقاليد الأدب الروسي، ومن الشعب ومن السلام والاشتراكية. لقد غدا بوريس باسترناك أداة للدعاية البورجوازية، فيما كشفت ” دكتور زيفاجو ” عن غرور منقطع النظير للمؤلف في ظل فقر الفكر وضيق الأفق ، لقد مزق باسترناك آخر أواصر صلاته بوطنه وشعبه، ولذا وإزاء سقوطه السياسي والمعنوي وخيانته للشعب السوفييتي ولقضية الاشتراكية والسلام والتقدم وهو ما حصل على جائزة نوبل كمقابل له لصالح تأجيج الحرب الباردة، نقرر إسقاط عضويته من اتحاد كتاب الإتحاد السوفييتي وطرده من صفوفه، وهو ما جرى التصويت عليه بالإجماع “.
كشفت أكثر من 100 وثيقة تم رفع السرية عنها حديثاً في الولايات المتحدة كيف قامت وكالة المخابرات المركزية بطباعة نسخ باللغة الروسية من رواية بوريس باسترناك الكلاسيكية دكتور زيفاجو خلال الحرب الباردة في محاولة لبث الاضطرابات بين المواطنين السوفيت.

تكشف وثائق وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تفاصيل مثيرة للاهتمام حول كيفية طباعة رواية باسترناك الملحمية عن حياة الطبيب والشاعر يوري جيفاغو وعلاقاته العاطفية باللغة الروسية وتوزيعها على المواطنين السوفييت من قبل وكالة المخابرات في أواخر خمسينيات القرن الماضي.

 

 

بوريس باسترناك ” Борис Леонидович Пастернак ”
– وُلد في 10 فبراير 1890 في موسكو لعائلة الفنان ومعلم الرسم ليونيد أوسيبوفيتش باسترناك( 1862 – 1945 ) وعازفة البيانو روزاليا ايسيدوروفنا كوفمان( 1868 – 1939 ) . في عام 1908 تخرج بوريس باسترناك بإمتياز من المدرسة الثانوية الكلاسيكية الخامسة في موسكو، وفي العام نفسه ، ألتحق بكلية الحقوق في جامعة موسكو( جامعة موسكو الحكومية لومونوسوف حاليا ) ، وبعد عام انتقل إلى قسم الفلسفة التابع لكلية التاريخ وفقه اللغة ، وفي صيف عام 1912 درس الفلسفة في جامعة ماربورغ( ألمانيا ) ، وتخرج من جامعة موسكو عام 1913 .
– خلال سنوات دراسته ، شارك بوريس باسترناك في اجتماعات الأوساط الأدبية في موسكو، في عام 1913 نُشرت خمس من قصائده في التقويم الأدبي “ليريكا ” ، وفي ديسمبر من العام نفسه ، صدرت مجموعته الشعرية ” توأم في الغيوم ” . وبسبب إصابة في ساقه في طفولته، لم يخضع باسترناك للتجنيد الإجباري ، في الفترة بين عامي 1916 و 1917 ، خلال العرب العالمية الأولى، عمل كاتبا في مصانع كيميائية في جبال الأورال. وفي ديسمبر 1916 نُشرت مجموعته الشعرية ” فوق الحواجز ” . خلال ثورات عام 1917 ، كان باسترناك في موسكو، بعد وصول البلاشفة إلى السلطة في أكتوبر 1917 . منذ منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، ترجم بوريس باسترناك أعمالا لكبار الأدباء العالميين، من بينهم ويليام شكسبير، و يوهان فولفغانغ غوته، و فريدريك شيلر، بالإضافة إلى شعراء جورجيين. في عام 1934 ، انضم إلى اتحاد كتاب الإتحاد السوفييتي، ومنذ عام 1936 ، أقام وعمل بشكل أساسي في منزله الريفي ( داتشا ) في قرية بيريديلكينو( التي تُعرف الآن باسم مقاطعة نوفوموسكوفسكي الإدارية في موسكو ) . من أكتوبر 1941 إلى يونيو 1943 ، تم إجلاء بوريس باسترناك إلى تشيستوبول( جمهورية تتارستان الاشتراكية السوفييتية ذاتية الحكم ، التي تُعرف الآن باسم جمهورية تتارستان ) ، هناك كتب قصائد عن أبطال وعمال الحرب ، وفي أغسطس وسبتمبر 1943 ، انضم إلى لواء من الكتاب وخدم في الجيش الثالث لجبهة بارياسنك الذي حرر مدينة أوريول، من عام 1945 إلى عام 1955 ، عمل بوريس باسترناك على رواية ” دكتور زيفاجو ” ، التي تتناول مصير مثقف روسي في خضم أحداث الثورة الروسية عام 1917 ، والحرب الأهلية ، والحرب الوطنية العظمى ، عكس العمل خيبة أمل المؤلف من مُثل الثورة والتزامه بمباديء الإنسانية المسيحية، تأخرت مجلتا ” نوفي مير ” و ” زناميا ” الأدبيتان، اللتان عرض عليهما باسترناك نشر الرواية في الرد . وإدراكا منه لصعوبة موافقتهما، قرر الكاتب نشر ” دكتور زيفاجو ” في الخارج، وفي مايو / أيار 1956 ، قدّم المخطوطة إلى ممثلي دار النشر الإيطالية ” جيانجياكومو فيلترينيلي ” . وفي سبتمبر/أيلول من ذلك العام ، تلقى رسالة من محرري ” نوفي مير ” تفيد بأن نشر الرواية في المجلة ” غير وارد ” . في نوفمبر 1957 ، نُشرت الرواية باللغة الإيطالية، وفي أوائل عام 1958 صدرت باللغتين الإنجليزية والفرنسية( وصدرت طبعة أجنبية باللغة الروسية في عام 1959 ) .
– في 23 أكتوبر/تشرين الأول 1958 ، مُنح بوريس باسترناك جائزة نوبل في الأدب ” لإسهاماته البارزة في الشعر الغنائي الحديث، ولمواصلته تقاليد الرواية الملحمية الروسية العظيمة ” . وفي 25 أكتوبر/ تشرين الأول نشرت صحيفة ” ليتيراتورنايا ” غازيتا ” افتتاحية بعنوان ” هجوم استفزازي من ردة فعل دولية ” ، انتقدت فيها باسترناك وروايته، وأشارت إلى أن منح جائزة لعمل فني رديء وحاقد ، مليء بكراهية الاشتراكية، هو عمل سياسي عدائي موجه ضد الدولة السوفيتية، وأن رواية ” دكتور زيفاجو ” رُفضت عام 1956 ، من قبل المجلات و دور النشر السوفيتية ” بإعتبارها عملا معاديا للثورة وتشهيريا ” . وفي 26 أكتوبر/ تشرين الأول، نشرت صحيفة ” برافدا ” مقالا للكاتب ديفيد زاسلافسكي بعنوان ” ضجيج الدعاية الرجعية حول نبتة أدبية ضارة ” ، تضمن هجمات وإهانات موجهة إلى باسترناك. وفي 27 أكتوبر/ تشرين الأول طُرد من اتحاد كتاب الإتحاد السوفييتي. في 29 أكتوبر، أرسل باسترناك برقية إلى لجنة نوبل ستوكهولم، معلنا رفضه الطوعي للجائزة ” نظرا للأهمية التي اكتسبتها الجائزة التي مُنحت لي في المجتمع الذي أنتمي إليه “. وفي اليوم نفسه ، شبه فلاديمير سيميشاستني، السكرتير الأول للجنة المركزية لمنظمة كومسومول( والذي أصبح لاحقا رئيسا للجنة أمن الدولة في الإتحاد السوفييتي ) ، باسترناك ب ” الخروف الأسود ” في خطاب علني بحضور نيكيتا خروتشوف، السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي، وأعلن أن الرأي العام سيرحب بمغادرة الكاتب للبلاد.
– وفي 31 أكتوبر، عقب اجتماع عام لكتاب موسكو، تم تبني قرار يطالب حكومة الإتحاد السوفييتي بسحب الجنسية السوفيتية من ” الخائن باسترناك ” . وفي 2 نوفمبر، نشرت صحيفة برافدا رسالة من باسترناك إلى خروتشوف، ذكر فيها الكاتب أنه لا يستطيع تخيل ” مصيره منفصلا وخارج ” روسيا، وطلب عدم إتخاذ ” إجراء قاس ” بالنفي إلى الخارج ضده ، في السادس من نوفمبر، نشرت صحيفة برافدا رسالة من باسترناك موجهة إلى محرريها( بعد أن خضع النص الأصلي لتغييرات جوهرية في قسم الثقافة باللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي ) . كتب المؤلف انه لم ” يقصد قط الإضرار بدولته وشعبه ” ، وأعرب عن أسفه لعدم إدراكه في الوقت المناسب أن القراء قد ينظرون إلى رواية ” دكتور زيفاجو ” على أنها عمل موجه ” ضد ثورة أكتوبر وأسس النظام السوفييتي ” . بعد ذلك خفت حدة الحملة الأدبية والشعبية ضد باسترناك تدريجيا.
– في أواخر الخمسينيات، عمل بوريس باسترناك على ديوانه الشعري ” عندما تنفجر العاصفة ” . توفي في 30 مايو 1960 في بيريديلكينو عن عمر يناهز 71 عاما إثر إصابته بسرطان الرئة، ودُفن في مقبرة بيريديلكينو.
– بعد وفاة بوريس باسترناك، نُشرت مجموعات من شعره في الإتحاد السوفييتي، وفي عام 1965 ، نُشرت ترجمة لمسرحية الملك لير التراجيدية لويليام شكسبير. كُتبت العديد من الأغاني على قصائده، إحداها ” لن يكون أحد في المنزل ” التي غناها سيرجي نيكيتين، تُرجمت أعمال باسترناك إلى عشرات اللغات الأجنبية. خلال فترة البيريسترويكا، في فبراير 1987، تراجع اتحاد كتاب الإتحاد السوفييتي عن قرار طرد بوريس باسترناك من المنظمة. من يناير إلى إبريل 1988 ، نُشرت رواية دكتور زيفاجو في مجلة نوفي مير ، وفي عام 1989 صدرت في طبعة مستقلة ، تم اقتباس الرواية للسينما عدة مرات . في أكتوبر 1989 مٌنحت ميدالية نوبل وشهادة تقدير بوريس باسترناك لابنه يفغيني.

 

ختاما :
هكذا توالت الضربات التي كالتها مختلف الأوساط الاجتماعية والأدبية والحزبية، والتي بلغت حد توجيه النائب العام للاتحاد السوفياتي تهمة الخيانة العظمي لبوريس باسترناك، لتكون المقدمة الطبيعية لما لحق به من مآس نفسية وأمراض أسفرت في نهاية المطاف عن وفاته في 30 مايو (أيار) 1960 عن سبعين عاماً.

 

هكذا فارق باسترناك وطنه ومحبيه ومريديه، من دون وداع يليق بمواهبه ومآثره في عوالم الأدب والفنون التي لم تجد طريقها إلى النور إلا بعد وفاته بقرابة عشرين سنة مع إعلان ميخائيل غورباتشوف لسياسات “البيريسترويكا والغلاسنوست”، وبموجب قرار اتحاد الأدباء السوفيات حول صدور الطبعة السوفياتية لروايته “دكتور جيفاغو” بين أحضان الوطن، بعد سنوات من القهر والاضطهاد والملاحقة التي لقيها مؤلفها قبل أن يعكف المخرج البريطاني ديفيد لين على دراسة إخراجها في فيلم حمل نفس الاسم من بطولة الفنان المصري عمر الشريف والنجمة البريطانية جولي كريستي في عام 1965، وهو الفيلم الذي حصد كثيراً من جوائز “أوسكار”، قبل أن يعود عمر الشريف وبقية أبطال الفيلم ليقصد موسكو في عام 1986 لإعادة تصويره في ضواحي تولا، قريباً من العاصمة السوفياتية، وكان ديفيد لين قام بتصويره في نسخته الأولى في إسبانيا.

 

 

بقلم : فاتن الحوسني
باحثة وكاتبة في الشؤون الدولية
ومهتمة بالأدب الروسي


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com