بِقَلَمِ : دكتور حُسَام الدِّين سَمِير
أُستاذ مُشَارِك بجامعة محمد بن زايد للعُلُومِ الإنسانيَّة
اللُّغةُ عِمَادُ الوُجُودِ الحَضَارِيّ
قَالَ اللهُ تَعَالَى : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ [الرُّوم : 22]. في هذا النَّصِّ القُرآنيّ الكريم إشارةٌ بَالِغَةُ الدَّلالةِ إلى أنَّ اللغةَ آيةٌ مِن آياتِ الله في الكون، وركنٌ أصيلٌ مِن أركانِ التَّنَوُّع الإنسانيّ. وإذا كانت الأُمَمُ قديمًا تُعرَفُ بسيوفها ورماحها، فإنَّ الأممَ في عصرنا الحَاضر تُعرَف بلغاتها وثقافاتها؛ إذ غدت اللغةُ رأسمالًا لا يُستهانُ به، وثروةً لا تَفنى خَزَائِنُها.
وما أصدق ما قاله الإمامُ الشافعيُّ (رحمه الله) : “اللِّسانُ الذي جعله اللهُ وِعاءً لِعِلْمِهِ، خصَّ به العَرَبَ، ثم خَصَّهم بأنْ جَعَلَ لسانَ رَسُولِهِ منهم” [الإمام محمد بن إدريس الشافعي، الرسالة، تحقيق أحمد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت، ص40]. فاللُّغةُ العَرَبِيَّةُ ليست وسيلةَ تخاطبٍ فحسب، بل هي حاملة القرآن الكريم، ووعاء الحضارة الإسلامية، ومستودع التراث الإنساني العظيم.
العولمةُ وإعلاءُ شأنِ اللُّغة : مِنَ الهَامِشِ إلى المركز
شَهِدَ عصرُ العولمةِ تحولًا جذريًّا في مفهومِ اللُّغةِ ووظيفتها؛ إذ لم تَعُد اللُّغَةُ مجرَّد أداةٍ للتَّواصُل الاجتماعيّ أو نقل المعارف، بل تحوَّلت إلى أصْلٍ اقتصاديٍّ إستراتيجيّ، ورأسمالٍ ثقافيٍّ يُستَثمَر ويُنَمَّى. وقد صَدَقَ الجاحظُ حين قالَ في كتابه “البيان والتبيين” : “اللِّسَانُ أداةُ الفِكر، ومَظهر العقل، وبه يُعرَف فضل الإنسان على البهائم” [أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتَّبيين، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ج1، ص76]. فإذا كانت اللُّغةُ عند القدماء مَظهرًا للعقل والتَّفكير، فهي اليوم مَظهرٌ للقوَّة الاقتصاديَّة والنُّفوذ الحضاريّ.
لقد أحدثت العولمةُ صِرَاعًا حضاريًّا خفيًّا بين اللُّغات، صِراعًا لا تُشهَر فيه السُّيوف، ولا تُطلَق فيه القذائف، لكنَّه أشدُّ وطأةً وأبعدُ أثرًا. قال أبو الطيب المتنبي :
وَلَيسَ بِعامِرٍ بُنيانُ قَومٍ … إِذا أَخلاقُهُم كانَت خَرابا [ديوان أبي الطيب المتنبي، شرح العكبري، دار المعرفة، بيروت، ص324].
ونقول : وليس بحيٍّ كيانُ أُمَّةٍ إذا لسانُها كان غريبًا. فالأمُّةُ التي تُفَرِّطُ في لغتها، تُفرِّطُ في هُوِيَّتِهَا وكيانها. ومن هنا نرى الشُّعوبَ المعاصرة تتمسَّكُ بألسنتِهَا تمسُّكها بأرواحها، وتذودُ عن لغاتها كما تَذُودُ عن أوطانها.
اللُّغَةُ رأسمالٌ وعُمْلَة : المنظور الاقتصادي الجديد
في عالمنا المعاصر، لم يَعُد الحديثُ عن “الأسواق اللُّغويَّة” و”السِّلَع المعرفيَّة” و”الاستثمار اللُّغويّ” ضربًا من المجاز، بل أضحى واقعًا ملموسًا تشهدُ به المؤسساتُ الدَّوليَّة والشَّركات العَابرة للقارات. فاللغةُ اليوم أداةُ إنتاجٍ وتنمية، ونظامٌ رأسماليٌّ متنوِّع، ورصيدٌ معرفيٌّ يُتداوَل في “أسواق اللُّغات” العالميَّة.
يقولُ الرسولُ الكريم ﷺ : “مَن تعلَّم لغةَ قومٍ أَمِنَ مكرَهم” [حديث مشهور، أخرجه أبو داود في السنن، وضعَّفه بعض المحدثين، لكن معناه صحيح ومعمول به. انظر: سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في تعلُّم اللُّغَات]. وإذا كان الأمنُ من المكر مقصدًا نبويًّا شريفًا، فإنَّ النَّفْعَ الاقتصاديّ والتَّواصل التّجاري من مقاصد العصر الحديث. فقد أدركت الدول الكبرى – كالصين واليابان وكوريا – أنَّ تعلُّمَ اللُّغةِ العربيَّة يُمهِّد طريقَ الثَّراء، ويُيسِّر سُبُلَ التجارة مع العالم العربي والإسلامي، الذي يضمُّ أكثر من مليار وسبعمائة مليون نسمة.
ولعلَّ من أبرز مظاهر الاستثمار اللُّغويّ ما نشهده اليوم من :
أولًا : صناعة المعاجم، سواءٌ كانت ورقيةً أو إلكترونيَّة، أُحادية اللُّغة أو مُتعدِّدة اللُّغات. فالمعجمُ اللُّغويُّ ليس مجرَّدَ كِتَابٍ يُرتَّب فيه الكلام ترتيبًا أبجديًّا، بل هو مشروعٌ اقتصاديٌّ وثقافيٌّ ضخم، يُوظَّف فيه رأس المال والخبرات، وتُجنى منه الأرباح.
ثانيًا : الترجمة، التي أصبحت صناعةً عالميةً تُقدَّر بمليارات الدولارات سنويًّا، سواءٌ كانت ترجمةً بشريةً أو آليةً. وقد قال الخليفة المأمون (رحمه الله) : “إنَّ الكتبَ أثمن ما يُقتَنَى، وأنفس ما يُشترى” [ابن النديم، الفهرست، تحقيق رضا تجدد، طهران، 1971، ص243]. فإذا كانت الكتب عند المأمون أنفس المقتنيات، فإنَّ الترجمة اليوم أنفس الصِّناعات.
ثالثًا : تعليم اللُّغة للنَّاطقين بغيرها، وهو مجالٌ واعِدٌ للاستثمار في اللُّغة العربيَّة، خاصةً مع تزايد الإقبال العَالميّ على تعلُّمها لأسبابٍ دينيةٍ واقتصاديَّةٍ وثقافيَّة.
رابعًا : التَّعريب والمعالجة الآليَّة للغة، وبرامج الذَّكاء الاصطناعيّ اللُّغويَّة، ونُظُم المعلومات، وبنوك المصطلحات، كلُّها مجالاتٌ تتطلَّب استثماراتٍ ضخمةً وتُدِرُّ عوائدَ اقتصاديةً هائلة.
الرَّأسمال الثَّقافي : اللُّغةُ هُوِيَّةً وانتماءً
إلى جَانِبِ البُعدِ الاقتصاديّ، تُمثِّل اللُّغةُ رأسمالًا ثقافيًّا لا يُقدَّر بثمن. فاللُّغةُ العربيةُ ليست مجردَ كلماتٍ وتراكيب، بل هي ذاكرة الأمة، ومستودع حضارتها، ومِرآة هُوِيَّتِهَا. قال ابن خلدون في مقدِّمته الشهيرة : “اعلم أنَّ اللغاتِ مَلَكَاتٌ شبيهةٌ بالصِّنَاعَةِ، إذ هي مَلَكَاتٌ في اللِّسان للعبارة عن المعاني” [عبد الرحمن بن خلدون، المقدِّمة، تحقيق علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر، القاهرة، ج3، ص1246]. فاللُّغةُ عند ابن خلدون مَلَكَةٌ راسخة، أي قدرةٌ مُتَمَكِّنَةٌ في النَّفْس لا تزولُ بسهولة.
ومِنْ هنا كان الحِفَاظُ على اللُّغةِ العربيَّة ضرورةً وجوديَّةً، لا رفاهيةً فِكريَّة. فالأمَّة التي تُهمل لغتها، تقطعُ صِلَتَها بماضيها، وتفقد بوصلتها في حاضرها، وتُضيِّعُ معالمَ طريقِها إلى مستقبلها. يقول الشَّاعر حافظ إبراهيم على لسان اللُّغة العربيَّة :
أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُّرُّ كامِنٌ … فَهَل سَاءَلُوا الغَوّاصَ عَن صَدَفَاتِــــي [ديوان حافظ إبراهيم، تحقيق أحمد أمين وزملاؤه، مطبعة الاستقامة، القاهرة، 1948، ج1، ص154].
فاللُّغةُ العربيَّةُ بحرٌ زاخِرٌ بالدُّرر والكنوز، لكنَّه يحتاجُ إلى غوَّاصين ماهرين يستخرجون جَوَاهِرَهُ، ويُظْهِرُونَ مَحَاسِنَهُ.
الاستثمارُ في اللُّغةِ استثمارٌ في المستقبل
إنَّ الاستثمارَ في اللُّغةِ العربيَّة ليس ترفًا فِكريًّا، ولا حَنِينًا إلى الماضي، بل هو استثمارٌ في المستقبل، وبناءٌ للأجيال القَادمة. فكما قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : “تعلَّموا العربيةَ فإنَّها مِن دينكم، وتعلَّموا الفرائضَ فإنَّها مِن دينكم” [رواه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الأدب، وإسناده حسن. انظر: المصنف، ج7، ص150]. فالعربيَّةُ عند عمر جُزءٌ مِنَ الدِّين، وركنٌ مِن أركان الهُوِيَّة.
وفي عصرِ العولمة، حيث تتصارع اللُّغات وتتنافس الثَّقَافَات، ليس أمام الأمَّة العربيَّة إلا أنْ تستثمر في لغتها استثمارًا حقيقيًّا : تعليمًا وتعلُّمًا، تطويرًا وتحديثًا، نشرًا وإشهارًا. فاللُّغةُ التي حملت القرآنَ الكريمَ أربعة عشر قرنًا، جديرةٌ بأنْ تحملَ الحضارةَ العربيَّةَ إلى المستقبل، وأنْ تكونَ لسانَ الأمة في عَالَمٍ يتحدَّثُ بلغةِ القوَّة والمعرفة.
والله تعالى يقول : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسُف : 2]. ففي اختيارِ العربيَّة لغةً للقُرآن دليلٌ على شَرَفِهَا وعظمتها. فلنكن أهلًا لهذا الشَّرف، حُماةً لهذه الأمانة، مستثمرين في هذا الرَّأسمال اللُّغويّ والثَّقافي الذي لا ينضب مَعِينُهُ، ولا تذهب بَهْجَتُهُ.



(
(




