|  آخر تحديث يونيو 29, 2020 , 22:40 م

كم عُمرك؟


كم عُمرك؟



عُمري مئة عام ٍ من الضياع وسنين ٌ طوال من الألم والعذاب، عُمري الذي انتهكه الخرابُ لا أذكره، وذلك الذي أُطفِأ نورُهُ، أُطفِأتْ ذاكرتي معه، وليالي الربيع التي تحوّلت بين اللحظة والأخرى أمام عينيّ إلى رماد، ما زالت في عيني رماد يمنعها من الرؤية، عمري أنتَ الذي فقدتك فيّ،وملامحك المحتجزة في داخلي، وصوتك الذي لا يسمعه أحدٌ غيري، وهيئتك ووجودك الذي لا يراه سواي، عمري، هو جنوني الذي يتهمني به الآخرين عندما أخبرهم عن حقيقية وجودك، وبأنك لم تغب عني ولن تغيب. هل يجب على الإنسان حقاً أن يذكر عُمره الحقيقي المسجل في البطاقات الرسمية للإجابة على سؤال ٍ بمثل “كم عمرك”؟ كيفَ لنا فعل ذلك، ومقدار ما يعيشه المرء في اليوم الواحد يكاد يعادل ما من الممكن أن يعيشه على مدى عشرات ِ السنين!

 

 

هل جرّبت أن تعيشَ أو أن تتخيل عُمر أم ٍ فقدت ابنها؟ أو ابنة ٍ يتيمة ٍ وسط الدمار، فقدتْ كل شيء أمام ناظريها تعيش الآن بلا مأوى؛ بلاحُضن أم، أو بسمة أب ومداعبات أخ ٍ حنون؟ كيف من الممكن أن يبدوا منطقياً أن تُقاس أعمارنا جميعاً بأداة قياس ٍ واحدة! هل الساعة هيالساعة ذاتها، لمن فقدَ حبيباً، أو عاش وحيداً، أو بقيَ مُشرداً يتيماً؟ هل الدقيقة هي الدقيقةُ ذاتها، لمن ينتظر ولادة حياة ٍ من رحِمه، أو من هو على أهبة الاستعداد لأن يتلقّى في أية لحظة نبأ وفاة من هم من لحمه ودمه؟ هل الدقيقة هي ذاتها التي تكون لمن ينتظر على باب غرفةالعمليات؟ أو من يقبع تحت ألهبة قصف الصواريخ ورعب المدرعات؟

 

كم هو نُجيبَ بلا، وألفَ لا.

 

 

كم عُمرك؟

عُمري مسرّاتي القليلة، أحزاني الكثيرة وآهاتي الأليمة، عمري بقدر دموعي الغزيرة، وذلك البلل الذي يملأ وسادتي كل ليلة بلا سابق إنذار،عُمري أنتَ الذي أشكوك لربي، وأسأل وجودك لتكون في القرب مني دائماً في صلاتي، عُمري أنتَ الذي أتعارك معه، ويُشكل وجوده وعدم وجوده في ذات اللحظة أكبر تناقضات حياتي، فأغدو بذلك التناقض بلا عُمر ٍتقريباً.

 

عمري، قلبي، قلبي الذي ينبض وتتعارك نبضاته لئلا يخرجن عن المساق الطبيعيّ في داخلي؛ فأهوي. برأيي أن تُقاس الأعمار بعددالنبضات؛ فنحنُ لا نموت ولا تنتهي أعمارنا إلا إذا توقفت نبضاتنا عن الحركة؛ فعمري حين ذلك نبضيَ المتوتر الذي يظهر على الشاشات فيغُرف المستشفيات، وعمري هو توقفها المفاجىء على هيئة خط ٍ مستقيم لا يقوى على الحركة.

 

وفي حين تواجد كل هذه الحقائق عن حقيقة العمر، أما زلنا نقيس العُمر بأداة الزمن الواحدة ذاتها؟ أليسَ العُمر مقدار “حياة” والحياة، أليست في جوهرها حزن يتنكر لنا في بعض الأحيان على هيئة مسرّات؟ والحزن، أليس كل حزن ٍ يعترينا يُقدّر بمئات السنين والأعوام؟

 

والمسرّات، أليست جزءٌ صغير من الثانية لا نشعرُ به كيف مضى؟ إذاً وبعد كل ذلك، ما فائدة أن أخبرك بأنّ عمري هو عددٌ لا يمثل حقيقةعمري الحقيقيّ الذي لا يُقدّر! إذاً فعُمري مجهول ولا يمثله رقم، أمّا إذا أردتَ أن نحسبهُ معاً فلا بُدَّ لنا من ورقة ٍ وقلم، نجمع عليها سنينالحزن التي قطعت ونضيف إليها ثواني المسرّات التي لا أعلمُ كيفَ مرّت، وأطرحُ منها أنت، أنت الذي أحببتكَ فخذلت، أنت الذي لا أريدك أنتُحُسب من سنين عُمري لو كانت فعلاً تُقدّر بالسنين؛ فكيف لي أن أخبرك بحقيقة رقم ٍ كان وجودك فيه خسارةٌ للعُمر والوقت!

 

عُمري، هو جمعٌ غفيرٌ من السنون التي لا أقدر على عدّها، وإذا ما طرحتُ وجودكَ فيها لعدتُ طفلةً صغيرة ً تُمسك بيد أمها؛فوجودك الثقيل الأليم هو حصيلة عُمري أيها السائل، فلا تسأل عمّا لا يعنيك وأنت الذي بكتلا يديك أنهيتَ وانتهيت.

 

 

 

بقلم: رنا مروان – (الأردن)


1 التعليقات

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com