|  آخر تحديث مارس 4, 2019 , 1:36 ص

فريال عبدالله | تكتب: |تداعيات بفارق التوقيت”


فريال عبدالله | تكتب: |تداعيات بفارق التوقيت”



بقلم: فريال عبدالله – (الإمارات)

ردود أفعالنا القاسية، تقسو علينا أحياناً، حين تأتي ساعة السفر، حين يأتيك أحد المسافرين على متن نفس طائرتك ويناديك: “إذا سمحت!”، فلا تلتفت لأنك في نفسك تعلم ما سيقول من بعد هذا النداء، ولأنك وخلال ازدحام الدقائق والثواني تُقنع نفسك بأن “لعله ينادي شخصاً آخر”، فتُصِرُّ على المضي قدماً إلى أن يصادفك شخص آخر من الموظفين، يخبرك بأن شخصا هناك يناديك وما إن تتوقف لثوانٍ حتى يُدركك الرجل المسافر، حينها تشعر كما لو أنك لم تتحرك خطوة واحدة إلى الأمام، كما لو أنك ما بذلت ذاك الجهد لتتفاداه، وكما لو أن ارتجاف خطواتك أخرّت زمن الوُصول المبكِّر!

وفي لحظة مُتَوَقَّعٍ كل ما سيدور فيها من حوار، يبادر الرجل وهو يحمل علبة في يديه، تتمنى لو أنها صدفةٌ تَشَابَهَ فيها الحدث لم يكن هذا المكان ولا الزمان أوانها، يقول لك بكل بعثرة أنفاسٍ وتسارع نبضات قلب مرتجف: “لقد نسيت علبة العطر هذه في المقعد حيث كنت تجلس بانتظار صافرة الاقلاع، وأنا كنت قربك”، فيهديك إياها، فتتمنى لو كان هناك مفر لتنكر بأنها تخصك لكن فات الأوان وذهب الرجل وحانت ساعة الإقلاع، فاضطررت أن تأخذ معك العلبة التي عانيت كثيرا من أجل أن تتخلى عنها في بلد أنت مسافر عنه بلا عودة، بلا رغبة ولا أمل في الرجوع، وبلا مشاعر تجبرك على التراجع، ولا رائحة عطر استَجمَعتَ كل قواك واستدعيت ذاكرتك المنسية التي هي مأوى الذكريات المبعثرة المشوهة، التي رثى عليها الزمان لتنسى ما تثيره في نفسك، بل إنك شممت كل العطور الفرنسية والعربية النسائية منها وحتى الرجالية، ورائحة الخريف والشتاء والمطر، وتلك التي ليس لها عنوان منشَأ، لكن ماذا تفعل حين تكون ذاكرتك أقوى منك، أقوى منك لدرجة أنك تُعافِر لسنوات حتى أنك تنسى أو تتناسى تاريخ مولدك، لكن الذاكرة لاتنسى لاترحم، تجعلك تعيد سيناريو حياتك في لحظة إن أنت فقط سمعت صوتا، أو قرأت حرفا أو شممت رائحة لها وقع في نفسك، ذلك الرجل شبيه قرع الباب بعد ساعة الفجر هدّد سلامك النفسي، فقط حين أرجع إليك العطر ظنا منه أنك نسيته بفعل العجلة والانشغال والهرولة،  لا يدري بأنك تركته عازماً ترك ذكراه وأنك دعوت الله في قيام الليل ليالٍ طِوال، بأن لا يكون له شبيه في المحال التجارية ولدى العطارين، ذلك الشخص هو المأزق والمعاناة، والسعادة والمهرب والخضوع كأنه كان رسالة القدر، كأنه نفسك التي تتجنب مناجاتها في بعض الأحاديث، كأنه أنت في زمن آخر، كأنه ذاكرتك المتمرّدة عليك، فحاصرتك، وأنجبت من طاقة النسيان مَوقِدَاً مشتعلاً، بطاقته فاضت مشاعرك، فويح الغريب ماذا فعل بك!، كيف أحيا رفاتك بعدما جرفها السيل بعيداً، حيث لا رائحة سوى تلك المنبعثة من تربة الوادي، من بعد أن شيعت قلبك، من ذا بكل قساوة يتبع موضع الدفن فينبش القلب الذي قد حال بينه وبين تربة الأرض وِفَاق!، فنسي كيف الحياة تُعاش من بعد الاحتضار!

من ذا الذي سلب القلب المنام حرم العيون بريقها حتى غدت الجفون مثابرة ومشاكسة متقلبة، أعياها السهر، لقد ظنَنتَ­ أن مشاعرك ملك لك تتحكم فيها كيف ومتى تشاء، أنت ظننت ذلك، ولكن “إن بعض الظن إثم”.


1 التعليقات

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com