|  آخر تحديث يوليو 28, 2018 , 9:55 ص

«فتاة العرب» شاعرة مجيدة حظيت بثناء زايـد ومحمد بن راشد


«فتاة العرب» شاعرة مجيدة حظيت بثناء زايـد ومحمد بن راشد



كم قرأ محبُّو الأدب والشعر لفتاة الخليج ثم لفتاة العرب عبر سنوات من الزمن من غير أن يعرفوا من هي فتاة الخليج أو من هي فتاة العرب!

وكم تمنى الشعراء والأدباء وعشاق الشعر والأدب أن يجمعهم اللقاء الأدبي المباشر مع هذه الشاعرة، لكن كما قال الشاعر: «والأذن تعشق قبل العين أحياناً».

نعم.. وُلدت هذه الشاعرة في منطقة المويجعي بالعين عام 1920 تقريباً، وشاءت الأقدار أن تتنقل بين العين وأبوظبي، ثم تسكن دبي، ديار آل مكتوم الكرام.

هذه هي الشاعرة العملاقة: عوشة بنت خليفة بن أحمد بن خليفة بن خميس بن يعروف السويدي، لقد ترعرعت في بيت سؤدد وصلاح وأدب ودين، وبدأت تجربتها الشعرية في سن مبكرة في الثانية عشرة من عمرها.

ـ ومن الجدير بالذكر أنها عاشت يتيمة الأم، تربت في كنف جدها، ولم تكن تبلغ مبلغ الشعراء في هذه السن لو لم تكن من قراء أشعار الماجدي بن ظاهر وراشد الخلاوي والمتنبي والحمداني وغيرهم من شعراء الحكمة والبيان، ويذكر أنها حلمت بأنها ابتلعت القمر، ففسر ذلك بأنها سيكون لها شأن في المستقبل.

 

 

وها هي اليوم واراها الثرى بعد أن تركت لنا ثروة أدبية ضخمة وروائع شعرية ما بين مطبوع ومسموع ومُغنى، ورغم أن الكثير من قصائدها فُقد ولم ير النور، فإنها تعدّ ضمن المكثرين من الشعراء.

وقد قال عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله: «تركت فتاة العرب خلفها كنوزاً من الأدب والشعر ستظل تحكي سيرتها وتحمل ذكراها خالدة في صفحات الوطن».

وقال عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وليّ عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة: «كانت فتاة العرب قامة أدبية شامخة، وعلامة فارقة في الشعر النبطي، ظلت قصائدها في الوطن والتاريخ والدين لعشرات السنين تثري الذاكرة».

 

 

ولقد أحسنت الدكتورة رفيعة غباش عندما خصّصت مساحة في متحف المرأة بدبي باسم غرفة شعر لعرض قصيدة لفتاة العرب، كُتبت بخط الخطاط بشكل تراثي جميل يراها ويقرؤها الزوار.

أعود فأقول: يكفيها فخراً وخلوداً أن يكون المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في مقدمة من جارتهم الشاعرة عوشة بنت خليفة السويدي. وأيضاً جارت كبار شعراء النبط من أمثال أحمد الكندي وعمير بن راشد، ولها مردّات مع أمثال الشيخة صنعاء بنت مانع آل مكتوم.

نعم.. نشرت شعرها في البداية تحت اسم مستعار: «فتاة الخليج»، حتى عام 1989، وعندئذٍ أرسل لها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ديواناً كتب على صفحته الأولى:

 

أرسلت لك ديوان يا عالي الشان

                          ديوان فيه من المثايل سددها

يحوي على الأمثال من كمل من زان

                         ومن كل در في عقوده نضدها

فتاة العرب وانتو لها خير عنوان

                       ومن غيركم بقصد معاني نشدها

 

ومنذ ذلك اليوم صارت تُعرف بفتاة العرب، وهذا اللقب من غير شك ومساجلاتها الشعرية مع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أكسبتها الشهرة وطار صيتها في الآفاق، وصار لها متابعون يقرؤون أشعارها وأشعار الشيخ محمد بن راشد، الذي أحبّ فن المعارضات والمساجلات الشعرية فيها.

وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كان قد بدأ المساجلات الشعرية مع الشاعر النبطي حامد بن غيث، الذي كان من ملازمي والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، وبعد أن تُوفّي حامد بن غيث، شاء القدر أن تفرض «فتاة الخليج» نفسها في الساحة وتثبت جدارة شعرها، فمنذ ذلك اليوم صارت تكتب إلى الشيخ محمد بن راشد وسموه يجاريها، وكانت فتاة العرب في شعرها أعمق من حامد بن غيث في شعره.

ومما يجب ذكره هنا أن الشاعرة عوشة بنت خليفة السويدي، التي عُرفت بفتاة الخليج ثم فتاة العرب، استطاعت أن تلفت نظر الشيخ محمد بن راشد من خلال قدرتها على المساجلة الشعرية والتعمق في المعاني واختيار الألفاظ.

هذا ومعروف عن المساجلات الشعرية أنها تحمل معاني التحدي والتفوق والغلبة والقدرة على مجاراة الآخر في اللفظ والمعنى والقافية والوزن والرّقي الفكري، لذا فإن الشاعرين توافقا في المستوى ثم تباريا وتجاريا.

وكانت من أوائل قصائد الشاعرين المتبادلة بينهما هي التي منها هذه الأبيات للشيخ محمد بن راشد:

والله لو بالحال تدري

                لانّي سهير الليل ما بات

بالنوم عيني ما تغضّي

             شوف الدقيقة عشر ساعات

يا صاح ما ترحم وتادي

                اسقيني من المر كاسات

فبعثت إليه الشاعرة عوشة بنت خليفة السويدي الرد من غير أن تذيِّله باسم فتاة الخليج أو باسم فتاة العرب، بل باسم آخر، وهي تقول:

وش حيلتي حسّادي اهلي

                 با ييك وافرق من الملامات

ما فوق ما جلّدت نفسي

                  عن الصبر يا معدن الذات

وانته بما في القلب تدري

                   لاني على لفراق ما بات

وهذا الردّ أعجب إلى حد بعيد الشيخ محمد بن راشد من حيث جمال لفظه وعمق معناه، واستطاع سموه بطريقته الخاصة أن يعرف أن قائلة هذه الأبيات هي فتاة الخليج.

فمنذ ذلك الوقت اشتدت المباراة بين الشاعرين، وصار التنافس واضحاً بينهما، وكان لكل منهما القدرة أن ينال إعجاب الثاني في كل مرة. ومن تلك القصائد هذه المشاكاة للشيخ محمد بن راشد، أرسلها إلى فتاة الخليج بعنوان: خلّ أحبه من خفيّات لعماق:

عزّاه يا قلب شفوق ومشتاق

                  متولّع في حب زين الوصايف

عليه قلبي دايم الدوم خفاق

                   وينوح له في كل عالي ونايف

خلّي عليه امن التواضيف ما فاق

                 ومن الغزال اللي يربّ الجفايف

إلى آخر القصيدة.

وردّت عليه فتاة الخليج تقول:

يا مرحبا بللي له القلب يشتاق

                               شوق الظما للماء إلبرد الهوايف

ويا هلا عدد ما ناض في السحب براق

                                واسقى بوبله ممحلات الكفايف

ويا هلا عدد ما ينبت العشب لوراق

                            واعداد ما تذري هبوب المصايف

واختص من هولي محب وصدّاق

                                   وانا مودّله حليف وضايف

إلى آخر القصيدة.

وفي قصيدة أخرى لفتاة الخليج نراها تهنئ الشيخ محمد بن راشد، فتقول:

محبّي هكذا رمز التحيه

                       تعبّرها النفوس الأريحيه

عبارات تعبّر عن صفاكم

                        لها في كل معنى جاذبيه

تهنينا بهذا العيد وانته

                       لنا الأعياد والدنيا البهيه

وانت ذخرنا وانت حمانا

                     ايلّي قلّت من الناس الحميه

إلى آخر القصيدة. ويردّ عليها الشيخ محمد يقول:

هلا بللّي معنّن لي تحيه

                        هلا عدّ النسانيس العذيه

عدد ما تلعي الولف الخلايا

                     وما رحّب حبيب وقال حيه

لفا من صوبكم مرسول كاعب

                        جدانا مرحبا مليون حيه

وانا من حب خلاّني معذب

                     معذب ذدايم روحي شجيه

إلى آخر القصيدة.

موهبة متميزة

على كل حال فإن عوشة بنت خليفة، من غير شك، هي من أوائل رواد الشعر النبطي، ولو لم تكن بهذه الأهمية لم يقم الشيخ محمد بن راشد بتكريمها عام 1989، وتقليدها وسام إمارة الشعر في عالم الشعر الشعبي.

فسموّه أعجب بموهبتها منذ ذلك اليوم، وأهدى إليها ديواناً من الشعر وكتب عليه الأبيات التي ذكرناها في البداية.

ومثلما أعجب الشيخ محمد بن راشد بأسلوبها وغزارة شعرها أعجب بهما المغفور له الشيخ زايد أيضاً، فبعث إليها مشاكاة يقول فيها:

يا ركن عود الهوى وفنه

                       شاقني جيلك بالوصافي

طيف روى لي امشجنه

                      شط بك وألحفك لتلافي

وردت عليه فتاة العرب تقول:

الهوى حملتني سنه

                    وانت رأس الفن يا سنافي

تأخذه والحق معطنه

                   يوم غيرك معطي الجافي

نعم… كانت عوشة بنت خليفة نقطة تحول للشعر من فتاة الحي التي عاشت في رأس الخيمة قبل أربعة قرون، إلى فتاة الخليج ثم إلى فتاة العرب، أي انتقلت من المستوى المحلي إلى الخليجي ثم الإقليمي بفضل الدعم الأدبي الذي حصلته من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد.

وعلمنا أنها ما اعتزلت الشعر إلا بعد أن أثْرت ساحتنا بأكثر من 150 قصيدة، ولما اعتزلت الشعر في التسعينيات من القرن الماضي لم تعتزله نهائياً، بل ذهبت قريحتها تعبر عن شعورها على شكل القصائد الدينية والمدائح النبوية، وكانت آخر قصائدها «الغفران».

مكانة

أجل.. هي فتاة العرب، من حق النُّقاد أن يعدوها من أبرز القرائح النسوية في الشعر النبطي، وكانت تتمتع بمكانة اجتماعية وأدبية مرموقة في الإمارات والخليج العربي، وقد كانت محط أنظار المغنين والملحنين أيضاً؛ لأنهم وجدوا في أشعارها الحسّ الراقي والفن الأصيل، ولعل من أبرز قصائدها الاجتماعية: سلامين رضايف والشموت يموت وقلبي يرفض الطوع، التي منها:

كم اتعذلت وقلت ما أطيع

                     فيكم وقلبي يرفض الطوع

وان انصحوني قلت ما أشيع

                      م الظل واتبع ظله الشوع

يحلو لي فيك التوليع

                      لو كان مالي شي منفوع

وان علت بي فالحب شفيع

                     بيني وبينك هوب مبدوع

على كل حال، فلا غرابة بعد هذا إذا وجدنا فيها كل هذه المواهب، فهي بنت خليفة السويدي وكان خليفة ذا موهبة شعرية، وأبوها لأمها أحمد بن خلف العتيبة كان شاعراً قبل أن يكون تاجر لؤلؤ.

ومن قصائد شاعرتنا فتاة العرب الإسلامية:

شهر الرضا والصوم مجبل علينا

                           والله يزودنا من الزاد تقواه

نديه طاعة في فرح ما يجينا

                              بالعافية والعفو والشكر لله

نحيا على الملة وسنة نبينا

                       ويدوم فينا الخير والأمن برضاه

ومن قصائدها الاجتماعية المعروفة قصيدة: الشموت يموت:

يا خشيف الريم لمفلي

                    انت لي للصب راحاته

شوفني م الحال منسلي

                         كالقلم تبريه مبراته

إلى آخر القصيدة..

رحمة الله عليها.. وأقدم عزائي لأهلها وذويها من آل السويدي، وعلى رأسهم أحمد خليفة السويدي، وآل الحبتور وعلى رأسهم خلف أحمد الحبتور، وآل العتيبة الكرام وآل غباش.

وقبل هؤلاء جميعاً، أقدم خالص عزائي إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وإلى كل المراكز الثقافية والتراثية التي عاشت على قصائد فتاة العرب.

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com