|  آخر تحديث أكتوبر 31, 2026 , 18:21 م

القمة الأفريقية الروسية الثالثة   


القمة الأفريقية الروسية الثالثة   



 

لواء دكتور / محمود ضياء الدين 

إستشارى الدفاع والأمن القومى

 

تتسم العلاقات الأجنبية بالقارة الأفريقية بالتنافس المحموم بين القوى الدولية الكبرى [ الصين – روسيا الإتحادية – الولايات المتحدة الأمريكية – الإتحاد الأوروبى ] بهدف الإستفادة من الموقع الإستراتيجى للقارة ومواردها الكبيرة.

وتنبع الأهمية الإستراتيجية لأفريقيا من كونها تمتلك حوالى 12% من إحتياطيات النفط العالمية ، و30٪ من إحتياطيات العالم من المعادن، و8٪ من الغاز الطبيعى، و40٪ من إحتياطيات الذهب، بالإضافة إلى الثروات المعدنية الحيوية كالماس، والكوبالت، واليورانيوم، و65% من الأراضى الصالحة للزراعة، الأمر الذى جعل أفريقيا محورًا مُهمًا للإقتصاد العالمى، خاصة في مجال الصناعات الإستراتيجية عالية التقنية، مثل: الرقائق الإلكترونية Semiconductors، والبطاريات، والصناعات المرتبطة بالطاقة الخضراء، علاوة على أنها تتحكم فى ممرات ملاحية عالمية بالغة الأهمية مثل قناة السويس، وباب المندب، ومضيق جبل طارق، وخليج عدن.

وقد لعبت عدة عوامل دورًا فى تسليط الضوء مجددًا على أفريقيا في إطار معادلة البحث عن القوة وتعزيز النفوذ بين المتنافسين الإقليميين والدوليين. ومن هذه العوامل قضايا النمو السكاني، ووفرة الموارد الطبيعية، ومن هذا المنطلق جاء إنعقاد القمة الأفريقية الروسية الثالثة بالعاصمة الروسية موسكو خلال الفترة من [28-29/10/2026] لتفتح آفاقًا جديدة للتعاون بين الجانبين.

وإختتمت أعمال القمة الروسية الأفريقية والتى عقدت تحت شعار «من أجل السلام والأمن والتنمية»، بمشاركة عدد “48” من الدول الأفريقية، و”22″ من قادة ورؤساء الدول يتقدمهم الرئيس عبد الفتاح السيسى، الذى أكد حرص مصر على توطيد الشراكة الإستراتيجية وتوسيع التعاون مع روسيا، فى حين أشار الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، إلى إن مصر بقياددة الرئيس السيسى من المؤسسين لقمة منتدى «روسيا – أفريقيا»، موجها له الشكر بسبب دعمه لجهود التنمية مع الدول الأفريقية».

 

وتعود جذور العلاقات الروسية الأفريقية إلى ما قبل الحرب الباردة، لكنها إكتسبت أبعادها السياسية والإقتصادية الأوسع مع صعود الإتحاد السوفيتى السابق ودعمه حركات الإستقلال فى أفريقيا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضى. ولم تقتصر العلاقة أنذاك على الدعم السياسى، بل إمتدت إلى التمويل والتدريب والتعليم والتعاون العسكرى، فضلا عن مشاريع البنية التحتية، مثل مساهمة موسكو فى بناء السد العالى فى مصر.

لكن إنهيار الإتحاد السوفياتى عام 1991 أدى إلى تراجع الحضور الروسى فى القارة، قبل أن تبدأ موسكو منذ مطلع الألفية الجديدة بإعادة بناء علاقاتها مع الدول الأفريقية، مستندة إلى إرث تاريخى قائم على التعاون السياسي، وموسعةً نطاقه تدريجيا ليشمل الطاقة والتعدين والأسلحة والحبوب والأسمدة. وتسعى روسيا خلال الفنرة الحالية إلى تحويل هذا الإرث إلى شراكات إقتصادية أوسع، في وقت تبحث فيه الدول الأفريقية عن تنويع شركائها ومصادر التمويل والتكنولوجيا، وسط تنافس دولى متزايد على أسواق القارة ومواردها.

تعد المشاركة المصرية إنطلاقا من الدور الريادى الذى تضطلع به الدولة المصرية كحلقة وصل محورية بين روسيا والقارة الإفريقية من خلال محطات الشراكة الإستراتيجية، من سوتشى 2019 إلى موسكو 2026، حيث قامت مصر بدور محورى وقائد فى صياغة وتطوير الشراكة الإستراتيجية بين روسيا والقارة الإفريقية، حيث تمثل القاهرة حلقة الوصل الأساسية لتعزيز التعاون التنموى والإقتصادى المشترك، وهو ما تجسد بشكل فاعل عبر محطات القمم السابقة :

القمة الروسية / الأفريقية الأولى (سوتشى – أكتوبر 2019) وترأس فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسى أعمال القمة بالرئاسة المشتركة مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، بالتزامن مع تولّى مصر رئاسة الإتحاد الأفريقى فى ذلك العام، وعقدت القمة الروسية / الأفريقية الثانية (سان بطرسبرج – يوليو 2023)، شارك السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى مسجلاً رؤية مصرية متكاملة لتعزيز الأمن الغذائى، وتطوير سلاسل الإمداد، وتدشين شراكات صناعية وتكنولوجية متطورة تخدم تطلعات الشعوب الإفريقية.

 

 

وتُعدّ القمة الروسية الأفريقية الحدث الأهم والأكبر فى العلاقات بين الجانبين – وتهدف إلى الأتى :

1 – بناء نظام دولى متعدد الأقطاب يث تسعى موسكو إلى كسب تأييد الدول الأفريقية لدعم رؤيتها المناهضة للهيمنة الغربية، وبناء توازنات دولية جديدة.

2 – تعزيز الأمن الغذائى والطاقة حيث تسعى موسكو لتوسيع صادراتها من الحبوب والأسمدة إلى الدول الأفريقية، ودعم مشروعات الإنتاج المحلى والطاقة النووية السلمية.

3 – التعاون الأمنى والعسكرى من خلال تركيز روسيا على التنسيق فى مكافحة الإرهاب والتطرف، والتعاون فى التصدى لإستخدام الطائرات المسيرة والأموال الرقمية، وتزويد الدول الأفريقية بالدعم الأمنى والعسكرى.

4 – توطين التكنولوجيا والذكاء الإصطناعى حيث تضمنت الاتفاقيات الجديدة بين روسيا ودول القارة تعزيز التعاون فى مجالات التكنولوجيا الحديثة والذكاء الإصطناعى وتطوير أنظمة الدفع المستقلة.

5 – الإرتقاء بمستوى الشراكة المتبادلة المنفعة إلى آفاق جديدة، بما يُلبى تحديات القرن الحادى والعشرين. 

6 – تعزيز التعاون الشامل والعادل بين روسيا وأفريقيا فى كافة المجالات السياسية، والأمنية، والإقتصادية، والعلوم والتكنولوجيا، والثقافة، والشؤون الإنسانية.

7 – توسيع الشراكات الإقتصادية ” تُقدم روسيا منحًا لـ16 دولة إفريقية. 

8 – زيادة التعاون فى مجال الطاقة من خلال التوسع فى بناء محطات الكهرباء، وتحديث المنشآت القائمة وتطويرها لتوفير الطاقة للمناطق النائية.

9 – دعم إقامة الممرات الإستراتيجية والمناطق اللوجستية إرتباطاً بكونها أحد المحاور الرئيسية لتحقيق التكامل الإقتصادى وزيادة التجارة البينية مع أفريقيا من خلال تطوير الممرات اللوجستية فى إفريقيا، تشمل تصميم وبناء وتحديث السكك الحديدية والطرق البرية والخطوط البحرية ومراكز النقل، بالإضافة إلى تجهيزها بأنظمة رقمية لإدارة حركة البضائع وتتبعها والتصريح الجمركى. 

10 – توسيع العلاقات المصرفية من خلال تطوير قنوات مستدامة للتسويات المالية بالعملات الوطنية، وتوسيع العلاقات المصرفية بين روسيا وإفريقيا، بما فى ذلك فتح فروع للبنوك في الجانبين، وإستخدام آليات بديلة لنقل المعلومات المتعلقة بالمدفوعات.

11 – توسيع التعاون الإقتصادى والتجارى من خلال زيادة حجم التبادل التجارى تبلغ حالياً حوالى 27 مليار دولار ومن المنتظر زيادتها لتبلغ 40 مليار دولار.

12 – إعلاء التعاون التعليمى والثقافى تستقبل الجامعات الروسية حاليًا نحو 40 ألف طالب من الدول الإفريقية، وزادت الحصص المخصصة للمنح الدراسية للعام الأكاديمى 2026-2027 إلى 5500 مقعد، كما أن الجامعة الشبكية الروسية الإفريقية، التي تعمل تحت إشراف وزارة التعليم والعلوم الروسية منذ عام 2021، تضم أكثر من 70 جامعة من 17 دولة إفريقية، ويستفيد من برامجها التعليمية أكثر من ألف طالب إفريقى.

13 – التركيز على الأمن المائى وفقًا لقواعد القانون الدولى، 

وفى مقدمتها مبدأ عدم الإضرار، والإخطار المسبق، والتشاور، والتوافق.

 

 

على جانب أخر تسعى الدول الأفريقية من خلال مشاركتها فى القمة الأفريقية الروسية إلى تحقيق حزمة من الأهداف الإستراتيجية والتنموية والأمنية .. يتمثل أبرزها فى الأتى : 

1 – تعزيز الأمن الغذائى وسلاسل الإمداد من خلال تأمين تدفقات مستدامة من الحبوب والقمح والأسمدة الروسية بأسعار تفضيلية، لا سيما بعد التوترات المستمرة فى سلاسل الإمداد العالمية.

2 – جذب الإستثمارات وتطوير البنية التحتية من خلال تحفيز الشركات الروسية الكبرى على الإستثمار فى قطاعات الطاقة (مثل مشاريع الطاقة النووية السلمية والتقليدية) والنقل، والمساهمة فى بناء بنية تحتية قوية تدعم “أجندة الاتحاد الأفريقى للتنمية المستدامة”.

3 – التعاون العسكرى ومكافحة الإرهاب لسد الفجوات الأمنية من خلال الحصول على الدعم العسكرى، والتدريب، والإستشارات الأمنية لمواجهة الجماعات المتطرفة والإضطرابات الداخلية، خاصة فى مناطق الساحل ووسط أفريقيا.

4 – نقل التكنولوجيا والتحول الرقمى من خلال بناء شراكات تقنية تتيح للدول الأفريقية الإستفادة من الخبرات الروسية فى مجالات العلوم، والتعدين، والذكاء الإصطناعى، والحلول الرقمية.

5 – تنويع الشراكات الدولية والإستقلالية الإستراتيجية لتفادى الاعتماد المفرط على القوى الغربية التقليدية، والبحث عن خيارات تمويلية وتجارية بديلة تعزز السيادة الوطنية لكل دولة.

6 – إصلاح النظام المالى العالمى بدفع وتطوير آليات دفع وأنظمة مالية جديدة تعتمد على العملات المحلية والمشتركة، مما يقلل الإعتماد على الدولار واليورو ويحمى الاقتصاد الأفريقى من تداعيات العقوبات الأحادية.

 7- زيادة النفوذ السياسى فى الساحة الدولية بإستثمار التنسيق مع روسيا لدعم تمثيل أفريقى أقوى فى المؤسسات الأممية والدولية، والمساهمة فى صياغة نظام عالمى متعدد الأقطاب يحترم مصالح القارة.

وأكد إعلان موسكو والذى صدر فى ختام أعمال القمة على إتفاق روسيا والدول الأفريقية على دعم إصلاح منظمة التجارة العالمية بهدف إنشاء نظام تجارى متعدد الأطراف مفتوح وشفاف وغير تمييزى وقائم على القواعد، مع الحفاظ على الدور المحورى للمنظمة، فضلا عن ضرورة مواصلة التعاون الوثيق بهدف حل النزاعات فى أفريقيا ومنعها، إستنادًا إلى المبدأ الأساسى «حلول أفريقية للمشاكل الأفريقية»، بالإضافة إلى تطوير التعاون لضمان السلامة الصحية والوبائية لسكان الدول الأفريقية، والإسهام فى تعزيز جاهزيتها لمكافحة الأوبئة والجوائح، والتصدى لمحاولات إعادة كتابة التاريخ أو تزويره، كما تعهد الإعلان بتنسيق المواقف فى مجلس الأمن بهدف تخفيف العقوبات المفروضة على دول أفريقية، فضلاً عن دعوته لإستكمال إنهاء الإستعمار فى أفريقيا، وإنشاء آليات قانونية لتقييم الأضرار التى لحقت بالدول الأفريقية خلال الحقبة الإستعمارية والتعويض عنها. وإستند فى ذلك إلى نتائج مؤتمر رفيع المستوى عقد فى العاصمة الغانية أكرا خلال الفترة من [ ١٧- ١٩ يونيو ٢٠٢٦ ] حول تجارة الرقيق عبر الأطلسى، كما تعهد الطرفان بالعمل على إنشاء آلية حوار روسية أفريقية دائمة على أعلى مستوى، ضمن منتدى الشراكة، لتنسيق جهود مكافحة الإرهاب والتطرف ومعالجة قضايا الأمن الغذائى والمعلوماتى، علاوة على الترحيب بمبادرة الإتحاد الأفريقى «إسكات البنادق» بحلول ٢٠٣٠، ونص كذلك على تعزيز التعاون فى التصدى لإستخدام الجماعات الإرهابية للطائرات المسيرة والمنصات المشفرة والأموال الرقمية، وطالب الإعلان بإصلاح شامل لصندوق النقد الدولى والبنك الدولى، وبتوسيع تمثيل الدول الأفريقية فى قيادتهما، ودعا أيضا إلى إصلاح منظمة التجارة العالمية مع الحفاظ على مبدأ إتخاذ القرار بالتوافق، والإتفاق على توحيد الجهود لتعزيز دور القانون الدولى، وتعزيز التعاون فى القطاع المالى، بما فى ذلك بهدف ضمان آليات موثوقة ومستدامة للمدفوعات والتسويات، فضلا عن مواصلة تعزيز التعاون القائم على المساواة والمنفعة المتبادلة بين روسيا وأفريقيا فى مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بما فى ذلك الذكاء الاصطناعى، وأشار الإعلان المشترك، إلى ضرورة «التصدى لمحاولات تسييس التعاون القانونى الدولى فى المسائل الجنائية، وإساءة إستخدام آليات العدالة الجنائية الدولية، بما فى ذلك توظيفها لممارسة ضغوط إستعمارية جديدة على الدول الأفريقية، فضلاً عن أى محاولات لتسييس المؤسسات القضائية الدولية وإستخدامها لممارسة ضغوط سياسية على الدول فى ظل عالم متعدد الأقطاب، وتضمنت خطة العمل أن روسيا وأفريقيا ستدعمان تدابير بناء قدرات الجهات المعنية بمكافحة الإرهاب والأنشطة البحرية غير القانونية.

وختاماً فإن الإختبار الأهم يتمثل فى الإنتقال من التعهدات والإتفاقيات العامة إلى إستثمارات منفذة وشراكات صناعية وتقنية مستدامة؛ وهو ما يجعل نجاح القمة مرهوناً ليس بعدد الإتفاقيات المعلنة فحسب، بل بقدرتها على توفير التمويل، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز التصنيع المحلى والقيمة المضافة داخل الدول الأفريقية.          

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com