مريم القيواني
مستشارة قانونية ومالية | كاتبة وإعلامية
ناشطة مجتمعية حقوقية
من 99.99 إلى 100 درهم… أين تنتهي مهارة التسويق ويبدأ استغلال المستهلك؟
بقلم: مريم القيواني | مستشارة قانونية ومالية
في عالم التجارة الحديثة، لم تعد المنافسة تقتصر على جودة المنتج أو سعره الحقيقي، بل امتدت إلى دراسة سلوك المستهلك وطريقة تفكيره، وكيفية التأثير في قراراته الشرائية باستخدام أساليب تسويقية مدروسة بعناية.
ومن أبرز هذه الأساليب ما يُعرف بـ التسعير النفسي، الذي يعتمد على عرض السلعة بسعر مثل 99.99 درهمًا بدلًا من 100 درهم، أو 9.99 بدلًا من 10 دراهم، بهدف جعل السعر يبدو أقل في نظر المستهلك، رغم أن الفارق المالي قد يكون ضئيلًا للغاية.
لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم هو: هل ينبغي أن تبقى هذه الممارسة مجرد استراتيجية تسويقية، أم أن آثارها التراكمية على سلوك المستهلك تستحق مراجعة أوسع من الجهات المختصة؟
أولًا: كيف يؤثر الرقم في قرار الشراء؟
تشير فكرة التسعير النفسي إلى أن المستهلك قد لا يتعامل مع السعر باعتباره رقمًا مجردًا، بل يتأثر بطريقة عرضه والانطباع الذي يتركه لديه.
فعندما يرى المستهلك سعرًا قدره 99.99 درهمًا، قد يركز ذهنه على بداية الرقم، فيشعر بأنه أقرب إلى 90 درهمًا منه إلى 100، مع أن الفارق عن المئة لا يتجاوز فلسًا واحدًا.
وهنا تكمن أهمية الوعي الاستهلاكي؛ فقرار الشراء قد يتأثر أحيانًا بطريقة تقديم السعر، وليس فقط بالقيمة الفعلية للمنتج أو مدى حاجة الشخص إليه.
ثانيًا: متى يتحول التأثير التسويقي إلى قضية تستحق التدخل؟
من المهم التأكيد أن عرض المنتجات بأسعار تنتهي بـ99 أو 99.99 لا يُعد في حد ذاته دليلًا على الغش أو الاستغلال أو الكسب غير المشروع.
لكن الإشكالية تستحق البحث عندما تقترن أساليب التسعير بممارسات قد تضلل المستهلك، أو توهمه بوجود خصم غير حقيقي، أو تخفي عنه التكلفة النهائية، أو تجعله يدفع مبلغًا مختلفًا عما أُعلن عنه.
فالفارق كبير بين تسويق مشروع يستفيد من فهم السلوك البشري، وتسويق يستغل هذا الفهم لتضليل المستهلك أو التأثير في اختياره على نحو غير منصف.
كما أن تكرار عمليات الشراء اليومية، حتى مع فروق بسيطة في الأسعار، يجعل من الضروري دراسة الأثر الإجمالي لهذه الممارسات، بدلًا من النظر إلى كل عملية شراء بمعزل عن غيرها.
ثالثًا: ما مسؤولية الجهات المختصة؟
في دولة الإمارات العربية المتحدة، يكفل قانون حماية المستهلك حقوقًا تتعلق بالحصول على المعلومات الصحيحة عن السلع والخدمات، وشرائها بالسعر المعلن، كما يشترط وضوح الأسعار ويحظر الإعلان المضلل عنها.
وبناءً على ذلك، فإن المطلوب ليس تجريم أسلوب تسعير لمجرد أنه ينتهي برقم عشري، وإنما التحقق من مدى التزام الممارسات التجارية بالشفافية، ومدى تأثيرها في حقوق المستهلكين.
رابعًا: مطالبنا لحماية المستهلك
نطالب الجهات المختصة بحماية المستهلك في دولة الإمارات العربية المتحدة بالنظر في المسألة من خلال دراسة موضوعية تشمل:
1. دراسة أثر التسعير النفسي: بحث مدى تأثير الأسعار المنتهية بـ99 و99.99 في قرارات الشراء، ومدى الحاجة إلى تعزيز التوعية بشأنها.
2. تعزيز شفافية الأسعار : التأكد من وضوح السعر النهائي الذي سيدفعه المستهلك، وعدم وجود فروق بين السعر المعلن والمبلغ المحصل.
3. مراجعة العروض والخصومات: التحقق من صحة الخصومات والأسعار المرجعية، والتصدي لأي ممارسات مضللة تثبت مخالفتها للأنظمة.
4. رفع الوعي الاستهلاكي : إطلاق حملات توعوية تساعد الأفراد على المقارنة بين الأسعار، وفهم أساليب التسويق النفسي، واتخاذ قرارات شراء واعية.
5. تقييم الممارسات المتكررة : دراسة الأثر التراكمي لأساليب التسعير المختلفة على المستهلك، واتخاذ الإجراءات التنظيمية المناسبة متى أثبتت الأدلة وجود حاجة إليها.
خامسًا: الكسب التجاري المشروع لا يتعارض مع حماية المستهلك
لسنا ضد التجارة، ولا ضد الأرباح المشروعة، ولا ضد تطور أدوات التسويق ؛ فهذه عناصر أساسية في الاقتصاد والمنافسة.

لكننا نؤمن بأن نجاح الأسواق لا يُقاس بقدرة الشركات على دفع المستهلك إلى الشراء فحسب، بل أيضًا بقدرتها على بناء الثقة، وتقديم المعلومات الصحيحة، واحترام حقه في الاختيار.
إن الربح الناتج عن نشاط تجاري مشروع يختلف عن الربح الناتج عن التضليل أو الممارسات المخالفة للقانون. أما وصف ممارسة بعينها بأنها استغلال أو كسب غير مشروع، فيحتاج إلى تقييم الأدلة والوقائع والنصوص القانونية ذات الصلة، ولا يصح إطلاقه لمجرد استخدام سعر ينتهي بـ99.99.
رسالتنا الأخيرة
إن حماية المستهلك تبدأ من وعيه، لكنها لا تنتهي عنده؛ فهناك مسؤولية مشتركة بين المستهلك والتاجر والجهات الرقابية.
ومن هنا، نضع هذه المسألة أمام الجهات المختصة، مطالبين بدراستها وتقييم آثارها، وتعزيز الضوابط التي تضمن وضوح الأسعار وعدالة الممارسات التجارية.
فهل نشتري المنتج لقيمته الحقيقية، أم لأن طريقة عرض سعره جعلتنا نشعر بأنه أقل مما هو عليه؟
سؤال يستحق أن نطرحه، ونبحثه، ونحوّله إلى وعي يحمي المستهلك ويعزز الثقة في أسواقنا.



(
(





