ثمة كلمات نقولها عابرين، ثم تمضي من أفواهنا لتستقر في عقولنا، ومنها إلى قراراتنا، حتى نجد أنفسنا بعد حين نعيش بعض ما اعتدنا ترديده، وكأننا مهدنا له الطريق دون أن نشعر. كم مرة بدأ يومنا بعبارة «لن أستطيع»، فانكمشنا أمام فرصة كانت تحتاج إلى محاولة؟ وكم مرة همسنا لأنفسنا بأن القادم أجمل، فاستقبلنا الصعوبات بروح أكثر اتزانًا، ورأينا في الطريق منافذ لم نكن نراها من قبل؟ هنا تكمن أهمية ما نقوله لأنفسنا لا لأنه سحر يغير الأقدار، وإنما لأنه قد يغير الإنسان الذي يواجهها.
ولعل في المأثور المنسوب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، «كلُّ متوقَّعٍ آتٍ»، معنى يستحق التأمل، بصرف النظر عن ثبوت نسبة العبارة إليه. فالتوقع حين يستقر في النفس يلوّن انتباهنا ويؤثر في استعدادنا لما يأتي، وقد يقودنا بهدوء خفي إلى ما نخشاه أو نرجوه. من ينتظر الخذلان قد يسيء الظن بمن حوله، ومن يحمل في قلبه توقع الفشل قد يتراجع قبل أن يعرف حقيقة قدرته، أما من ينتظر الخير بعقل واعٍ فلا يضمن لنفسه طريقًا خاليًا من العثرات، لكنه يمنح نفسه فرصة أن يراها محطات للتعلم لا نهايات مغلقة. وقد شاع في السنوات الأخيرة الحديث عن «قانون الجذب»، ولعل المعنى الأقرب إلى حياتنا أبسط من ذلك: ما نفكر فيه كثيرًا يوجّه انتباهنا، وما نؤمن به عن أنفسنا ينعكس على سلوكنا، وما نكرره من كلمات قد يصير قناعة ترشدنا حين نختار. ومع ذلك تبقى الحقيقة أن الأفكار وحدها لا تصنع النتائج، وأن الإيجابية لا تمنع المصائب.
وللكلمة أثر آخر في نفوس من حولنا. ففي البيت، قد تصير عبارة تتكرر كل يوم شعورًا بالأمان أو خوفًا من الخطأ. وفي العمل، قد تمنح كلمة تقدير إنسانًا ثقة تدفعه إلى الإبداع، بينما قد تطفئه سخرية عابرة لا يتذكر قائلها أنه أطلقها. وبين الأزواج والأصدقاء، كم من علاقة أثقلتها عبارات التشاؤم والاتهام حتى صار كل طرف ينتظر الإساءة من الآخر، وكم من علاقة نجت لأن أحدهما اختار أن يفسر الموقف بهدوء قبل أن يحكم، وأن يسأل قبل أن يتهم، وأن يترك للكلمة الطيبة فرصة إصلاح ما كاد يفسده الانفعال.
ولا أدعو إلى أن نخفي ما نشعر به خلف ابتسامة فللحزن حقه في أن يُقال، وللخوف حقه في أن يُسمع، وكلاهما يخف حين نصدق في وصفه. وثمة فرق رقيق بين أن نقول: «أنا أمر بوقت صعب وسأبحث عن مخرج»، وأن نقول: «حياتي كلها صعوبات ولن يتغير شيء». الأولى ترى الواقع وتترك نافذة مفتوحة للعمل، والثانية تحول تجربة مؤلمة إلى حكم دائم على الحياة. ولعل الحكمة أن نستخدم ما نملكه من وعي وإرادة، دون أن ندّعي امتلاك مفاتيح الغيب فنعمل لما نرجوه، ونحسن اختيار كلماتنا وقراراتنا، ونستعد لما قد لا يوافق توقعاتنا، ثم نترك مساحة لما لا نملك التحكم فيه. وحين نرى إنسانًا أثقله الألم، فلنحذر أن نقول له إن تفكيره هو السبب يكفيه ما يحمله، ويكفيه أن نجلس إلى جواره.
وإذا كانت الأقدار لا تستأذن أمنياتنا، فإننا نستطيع أن نختار كثيرًا من الكلمات التي ترافقنا إليها، وأن نخفف بها قسوة الطريق على أنفسنا ومن نحب. نستطيع أن نستبدل بالتوقع العدائي حسن التقدير، وبالشكوى المفتوحة شكوى تنتهي بخطوة عملية، وبالحكم المتعجل سؤالًا يمنح الحقيقة فرصة للظهور. وربما كان السؤال الذي يستحق أن نحمله معنا: ما الكلمة اللينة التي أستطيع أن أهديها اليوم لنفسي، ولمن أحب؟ فالكلمة ليست قدرًا محتومًا، والتوقع ليس نبوءة، لكنهما قد يكونان بداية طريق. وحين نحسن اختيار البدايات، نمنح أنفسنا فرصة أفضل للوصول لا لأن الحياة أصبحت مضمونة النتائج، بل لأننا صرنا أوعى بما نستطيع صنعه فيها، وأكثر سلامًا مع ما يتجاوز قدرتنا.
كم من فكرةٍ غيّرت مسار حياة، وكم من كلمةٍ أعادت تشكيل قناعة، وكم من احتمالٍ مات في داخلنا قبل أن نمنحه فرصة الوجود؟ لعلّ أخطر ما يصنعه الإنسان ليس ما يقوله، بل ما يصدّقه بعد أن يقوله، حتى يغدو صوته الداخلي حقيقةً لا يناقشها، وحدًّا لا يتجاوزه، ومصيرًا لم يختره يومًا.
بقلم المحامية شيرين كم نقش



(
(





