|  آخر تحديث أكتوبر 31, 2026 , 1:18 ص

محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري.. بين حدود المشروعية وضمانات المحاكمة العادلة


محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري.. بين حدود المشروعية وضمانات المحاكمة العادلة



 

 

 بقلم الدكتور/ أحمد فريد

 

لا تكمن خطورة المسائل القانونية دائماً في طبيعة النصوص التي تنظمها، بل في كيفية تفسيرها، وفي مدى التزام السلطات بالحدود المرسومة لاختصاصاتها، ومن هذا المنطلق تبرز إحدى أكثر الإشكاليات القانونية دقة وحساسية؛ ألا وهي إحالة المدنيين إلى القضاء العسكري، وتحديد السلطة المخولة بذلك، فضلاً عن رسم الحدود الفاصلة بين ولايتي النيابة العامة والنيابة العسكرية.

إن التساؤل الجوهري هنا لا ينصب على استقلالية القضاء العسكري؛ فهذا واقع أقرّه الدستور صراحةً، بل إن الإشكالية التي تستوجب مواجهة قانونية جادة هي: هل يكفي مجرد “قرار الإحالة” لسلب المدني حقه في المثول أمام قاضيه الطبيعي؟ أم أن هذا الإجراء الاستثنائي يجب أن تسبقه ضرورة حتمية، ويخضع لضوابط صارمة لا تملك أي سلطة حق تجاوزها؟

 

إن الخلط العمدي أو غير العمدي بين “سلطة اتخاذ الإجراء” و”سلطة إنشاء الاختصاص” يشرع الأبواب أمام منزلق خطير؛ فلا يجوز أن تُتخذ صلاحية إحالة الأوراق مطية لاختلاق اختصاص لم يُقرّه القانون، كما لا ينبغي لقرار إداري أو إجرائي أن يتخطى الشروط الدستورية اللازمة لانعقاد ولاية المحكمة، فالسلطة أياً كان مصدرها لا تستمد مشروعيتها من مجرد قدرتها على إمضاء القرار، بل من استنادها إلى مظلة قانونية تبرر إصداره.

وفي هذا السياق، حريٌّ بنا التوقف أمام المادة (204) من الدستور المصري، التي لم تترك إحالة المدنيين للقضاء العسكري على عواهنها، بل طوقتها بحالات حصرية منضبطة، وهذه النصوص ليست محض ديباجات تنظيمية تحتمل التأويل الواسع، بل هي سياج دستوري مُلزم لكافة السلطات. وعليه، فإن كل قرار بإحالة مدني إلى القضاء العسكري يستوجب تمحيصاً دقيقاً لمدى انطباق الحالات الدستورية عليه، بعيداً عن الاستناد إلى روابط عامة أو افتراضية بالقوات المسلحة.

فلا تكفي الصلة العارضة بجهة عسكرية لإعفاء قرار الإحالة من التسبيب القانوني الرصين، ولا يصح تحويل الصلة المحتملة إلى قرينة قاطعة على انعقاد الاختصاص، وتتفاقم هذه الخطورة حين تلتبس الحدود بين النيابة العامة والعسكرية؛ فالأولى ليست مرجعية رئاسية للثانية، والثانية لا تستمد ولايتها من قرارات الأولى، بل تستقل كلتاهما في إطار ما رسمه القانون، ولا يعني هذا الاستقلال تحصين قرارات الإحالة من الرقابة والمناقشة، كما لا يعني اختصاص النائب العام بسط سلطة مطلقة تتمدد خارج نطاق القضاء العادي.

من هنا تبرز الحاجة الماسة إلى تمييز حاسم بين مجرد “إحالة الأوراق للاختصاص”، وبين “تحريك الدعوى الجنائية وإصدار أمر الإحالة”، وصولًا إلى “انعقاد الاختصاص الولائي للمحكمة”، إنها حلقات منفصلة لكل منها سندها وحكمها، ولا يصح اختزالها في تصرف واحد، أو التذرع بصحة إجراء لشرعنة البقية، فالأخطر من ذلك هو تسطيح النقاش ليقتصر على شكل القرار والجهة المصدرة له، وتجاهل السؤال الجوهري الأسبق: هل ثمة ولاية قانونية أصلاً تشرعن هذه الإحالة؟ فصلاحية سلطة ما في جانب من أعمالها لا تُسبغ العصمة على كافة تصرفاتها إن هي تجاوزت حدود تفويضها.

على صعيد آخر، لا ينبغي أن يُتخذ استقلال القضاء العسكري ذريعة لوأد النقاش حول حدود اختصاصه، كما لا ينبغي أن يُوظف هذا النقاش للتشكيك في نزاهة أعضائه، فالمؤسسات القضائية لا تُحصّن بالهروب من الأسئلة الشائكة، بل بإنفاذ القانون بصرامة، والتأكيد على أن الاختصاص ليس أمراً مفترضاً، وأن الحقوق الدستورية لا تتهاوى أمام مجرد اعتبارات إجرائية.

وبناءً عليه فإن تمسك الدفاع بعدم الاختصاص ليس ترفاً جدلياً ولا تعطيلاُ لمسار العدالة، بل هو ضمانة أصيلة من ضمانات المحاكمة المنصفة؛ فكما تملك جهة التحقيق استخدام أدواتها القانونية، يمتلك المتهم كامل الحق في تفنيد مشروعية الإجراءات الموجهة ضده متى توافرت أسبابها، ولا يستقيم أن نطالب المتهم باحترام الإجراءات، ثم نضيق الخناق عليه عند مناقشته لأساسها القانوني؛ فالدفع بعدم الاختصاص لا يُوجه إلى مكانة المحكمة، بل إلى مدى انطباق قواعد الاختصاص على الواقعة الماثلة أمامها.

 

إن السؤال الذي يجب أن يتصدر كل قرار بإحالة مدني للقضاء العسكري لا يحتمل المواربة: ما هو السند التشريعي المباشر؟ وما هي حدود سلطة المُحيل؟ وهل تم استيفاء الضوابط الدستورية؟ إن الإجابة عن هذه التساؤلات لا تُستوفى بشعارات عامة عن “مقتضيات الأمن” أو “طبيعة الجهة”، فتلك الاعتبارات – على أهميتها – لا تُعفي من ضرورة تحديد السند القانوني الصلب.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تعدد الجهات القضائية، بل في ضبابية التخوم الفاصلة بينها، وفي التعامل مع “قرار الإحالة” كأداة لـ “خلق” الاختصاص بدلاً من كونه مجرد تطبيق له، عندما يصبح تحديد المحكمة المختصة رهناً باتجاه الإدارة الإجرائية للواقعة، عوضاً عن انضباطها للنصوص الحاكمة، فإن السؤال عن ضمانات المتهم يتحول إلى سؤال مقلق عن ضمانات النظام القانوني بأسره.

يجب القول بوضوح وحسم إن التوسع غير المنضبط في إحالة المدنيين إلى القضاء العسكري لا يمثل مجرد تجاوز إجرائي أو خطأ في التأويل، بل هو اعتداءٌ صارخ على الدستور، وإخلالٌ جسيم بأقدس ضمانات العدالة؛ ألا وهو حق المدني الأصيل وغير القابل للتصرف في المثول أمام قاضيه الطبيعي، إن سلب هذا الحق عبر قرارات إحالة تتجاهل الضوابط الصارمة هو اغتصاب صريح للاختصاص الولائي، وهدمٌ لأركان المحاكمة العادلة، وتحويل مقلق للاستثناء الدستوري إلى سيف مسلط يلتهم حقوق المواطنين.

فالهيبة لا تُبنى على تجنب المناقشة، والاختصاص لا يُكتسب بمجرد القرار، والعدالة لا تُختزل في بلوغ القضية قاعة المحكمة، فلا سلطة تعلو فوق القانون، ولا إحالة تخلق اختصاصاً من العدم، ولا بديل عن السند الدستوري الذي يمنح المحكمة ولايتها ويهب العدالة مشروعيتها، تلك ليست مواجهة مع القضاء العسكري؛ بل هي مواجهة حتمية مع كل تفسير يسعى لتوسيع تخوم السلطة على حساب حدود القانون.

 

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com