|  آخر تحديث أكتوبر 20, 2026 , 17:03 م

جسر الإمارات إلى قبرص بين الفرص والتحديات.


جسر الإمارات إلى قبرص بين الفرص والتحديات.



 

 

بين الإمارات وقبرص مسافةٌ ليست بالقريبة، لكن التفاهمات السياسيَّة بين البلدين انعكست اقتصاديًّا؛ فقرَّبت المسافات تقريبًا لافتًا، وبدأت تحوِّل العَلاقة من صداقة سياسيَّة إلى شراكةٍ تبحث عن المصالح والفرص.

 

والأرقام -كعادتها- أصدق من المجاملات الدبلوماسية، ففي عام 2024 بلغت الصادرات الإماراتية إلى قبرص نحو 141.8 مليون دولار، مقابل نحو 35.6 مليون دولار من الصادرات القبرصية إلى الإمارات، وفي دبي وحدها بلغت التجارة غير النفطيَّة مع قبرص 588 مليون درهم خلال العام نفسه، فيما ارتفع عدد الشركات القبرصية النشطة المسجلة في غرفة تجارة دبي إلى 639 شركة بنهاية 2025، بنمو سنوي بلغ 17.7%. 

 

هذه الأرقام ليست ضخمةً إذا قورنت بما يمكن أن تصل إليه العَلاقة، وهنا تكمن الفرصة، لا المشكلة.

 

فقبرص ليست سوقًا كبيرة بحجمها، لكنها كبيرة بموقعها. هي عضو في الاتحاد الأوروبي، وتقف عند نقطة تلتقي فيها أوروبا بشرق المتوسط والشرق الأوسط؛ ولذلك أراها مرشحةً لأن تكون منصة مهمة لرأس المال الإماراتي في الطاقة، والسياحة، والعقار، والموانئ، والخدمات اللوجستية، ومراكز البيانات والتقنية.

 

وقد جاءت زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، إلى قبرص في ديسمبر 2025، وهي أول زيارة لرئيس إماراتي إلى الجزيرة، لتضع التجارة والاستثمار والطاقة والربط الاقتصادي في قلب العَلاقة، مع الاتفاق على خطَّة عمل مشتركة لمشاريعَ جديدةٍ.

 

وترافق ذلك مع حراكٍ دبلوماسيٍّ نشط قاده سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، عبر الزيارات واللقاءات والاتصالات، وصولًا إلى شراكة استراتيجية في مجال الطاقة. وإلى جانب ذلك، يعمل السفيرُ الإماراتيُّ في نيقوسيا بديناميكية تنسجم مع رؤية الإمارات الاستراتيجية، وتترجمها على الأرض. 

 

والرؤية الإماراتية هنا -كما أراها- أبعد من استثمار في فندق أو قطعة أرض، إنها فرصةٌ لبناء موطئ اقتصادي إماراتي أكثر حضورًا في شرق المتوسط، وربط الخبرة ورأس المال الإماراتيَّين بسوق أوروبية أوسع.

 

لكن هنا تبدأ المرحلة الأصعب؛ فالتفاهم السياسي سريعٌ، أما المشروع الاقتصادي فلا يعيش على التفاهم وحده. والمستثمر الإماراتي الذي اعتاد وضوح القرار، وسرعة الإنجاز، والنافذة الواحدة، قد يجد نفسه بعد مغادرة قاعة الاجتماع يدخل دهاليز البيروقراطية، بين وزارة وبلدية ولجنة، ثم موافقة تنتظر موافقة أخرى.

 

وهنا تظهر المفارقة.

 

فالسياسة فتحت الباب، لكن البيروقراطية ما زالت تمسك بالمفتاح.

 

ومن هنا، يبقى رجائي من رئيسة مجلس النواب القبرصي، السيدة أنيتا ديميتريو، أن تقود جهدًا لإيجاد آلية تشريعية وقانونية أكثر مرونة وسرعة للاستثمارات الاستراتيجية، وخصوصًا القادمة من الإمارات، بما يختصر الإجراءات من دون الانتقاص من حقوق المواطنين أو ضماناتهم. وقد أُعيد انتخابها لرئاسة مجلس النواب في يونيو 2026، ما يمنحها موقعًا مؤسَّسيًّا مهمًّا لدفع مثل هذا النقاش. 

 

فاختصار المراحل بالتشريعات لا يضرُّ بمصالح المواطن، بل قد يخدمها أكثر؛ لأنَّ الاستثمار يعني مشاريع جديدة، وفرصَ عمل، وإيراداتٍ، ونموًا ينعكس على الاقتصاد والمجتمع معًا.

 

الفرصة موجودة، والإرادة موجودة، وما نحتاجه الآن أن نحسن استثمار الوقت، ونختصر الطريق بين النية الطيبة والتنفيذ، ونحوِّل التفاهمات السياسية إلى مشاريعَ حيوية، ومصالح اقتصادية حقيقية تعود بالنفع على الإمارات وقبرص على حدٍّ سواء.

 

 

بقلم:  د. عبد العزيز عبد اللطيف.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com