|  آخر تحديث أكتوبر 20, 2026 , 23:39 م

قارئة الفنجان


قارئة الفنجان



 

جلست تتأمل فنجان قهوتها، متوهّمةً أنه يكشف لها أسرار ماضيها، وينبئها بما يخبئه المستقبل. كانت تقلّبه وتتمعّن في نقوشه، باحثةً عن أيامها القادمة، وعن نصيبها، وأصدقائها، وأعدائها، وعن كل من يحبها أو يحقد عليها أو يحسدها، كانت تصدّق ما يخبرها به الفنجان، إن لم يكن كلّه، فجلّه!

ذات يوم، أخبرتها صديقتها أنها ذهبت إلى إحدى العرّافات قرأت فنجانها، وأخبرتهاالعرافة بأمور كثيرة عن ماضيها ومستقبلها، مقابل مبلغ نن المال، ثم أضافت، بثقة، أن بعض ما تنبأت به قد حدث بالفعل!

لمعت الفكرة في ذهنها، وسألت صديقتها: — إذن، ما رأيك أن نذهب إليها معًا؟

وهكذا، ذهبتا إلى العرّافة، مدفوعتيْن بفضولٍ لمعرفة ما تخبئه لهما الأيام.

كان الأمر غريبًا في نظر أمها؛ فابنتها متعلمة ومثقفة، وتؤدي صلاتها في وقتها، فكيف لها أن تنجرف وراءها، وتترك عقلها أسيرًا لأوهام لا تستند إلى حقيقة؟

 

لكن الفضول كان أقوى من التساؤلات.

قطعت مسافة طويلة حتى وصلت إلى العرّافة، وجلست أمامها تستمع إلى ما تقوله. راحت العرّافة تسرد لها التوقعات، وهي تصغي إليها بلهفة، وتصدّق ما تقوله لها.

لم تكشف لأحد عن أسرار تلك الجلسة، لكنها أفصحت عن أمر واحد: لقد أوحت إليها العرّافة بأنها ستلتقي بنصيبها، عريس المستقبل، على متن طائرة!

ومنذ ذلك اليوم، بدأت رحلتها الطويلة مع الانتظار.

سافرت إلى عدة دول، وركبت الطائرات مرة تلو أخرى، لا تكاد تترك فرصة للسفر إلا انتهزتها. كانت تتأمل وجوه المسافرين، وتترقب لقاءً طال انتظاره، وتتساءل في سرّها: أهو هذا الرجل؟ أم ذاك؟ أيمكن أن يكون أحد الجالسين إلى جوارها هو من بشّرتها به العرّافة؟

كانت كل رحلة تحمل إليها أملًا جديدًا، ثم تعود منها بخيبة صامتة، لتستعد لرحلة أخرى، وكأنها تطارد موعدًا كُتب لها في مكان مجهول.

ومع مرور الوقت، تطورت الحكاية، وتبدلت الوسيلة، لكن الوهم ظل كما هو.

لم تعد تذهب إلى العرّافة؛ فقد أصبحت العرّافة تأتي إليها!

كل ما عليها أن تفعله هو تنزيل تطبيق على هاتفها المحمول، وتصوير فنجان قهوتها، ثم إرسال الصورة إلى ما يشبه العرّافة

 

الإلكترونية، التي تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتنسج لها من بقايا القهوة حكايات وتوقعات عن المستقبل. بعض هذه التطبيقات مدفوع، وبعضها مجاني، أما النتيجة فواحدة: مزيد من التوقعات الكاذبة، ومزيد من التعلّق بالأوهام

وهكذا، كل صباح، تحتسي قهوتها، وتقلب فنجانها، ثم تلتقط له صورة وترسلها، منتظرةً أن يأتيها من الشاشة خبر يبدد حيرتها، أو يبشّرها بقرب اللقاء المنتظر.

ومضت السنوات…

شارفت الأربعين، و ظلّت أسيرة التوقعات الكاذبة. لم تتوقف عن السفر، ولم تتخلّ عن عادتها اليومية، وما زالت تنتظر ذلك الرجل الذي وعدتها به العرّافة، وتتعلق بأمل أن تصادفه يومًا على متن إحدى الطائرات.

مرّت سنوات في مطاردة نبوءة العرافة !

كم من رحلة قطعتها، وكم من فنجان قلّبت، وكم من صباح انتظرت فيه إشارة تخبرها بأن موعدها قد اقترب، بينما كانت الحياة تمضي من حولها، دون أن تدري أن المستقبل لا يُقرأ في بقايا القهوة، وأن الأوهام قد تسرق من أعمارنا أثمن ما نملك: الوقت.

ستجده حين ترفع عينيها عن الفنجان، وتبصر الحياة من حولها، وتتوقف عن مطاردة التوقعات و الأوهام، وتعود إلى الله، تلجأ إليه في دعائها وسجودها، وتطمئن إلى أن الغيب علمه عند الله

 

وحده.

فربما تلتقي به يومًا، وربما يأتيها النصيب من طريق لم يخطر لها على بال؛ لكن الحقيقة التي غابت عنها طويلًا هي أن الرجل الذي تنتظره يسكن خارج الفنجان، لا داخله.

دمتم بعقولٍ متفتحة، وقلوبٍ نيّرة.

ربنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب.

 

بقلم الكاتبة الأدبية :سلافة حسيب مصطفى

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com