|  آخر تحديث أكتوبر 16, 2026 , 16:40 م

كوني كالخيل


كوني كالخيل



 
صديقتي..

لا أكتب إليكِ من منبر… المنابر تُحسن الكلام وتُسيء الإصغاء، وأنا أمضيتُ سنواتي بين نساءٍ علّمنني الإصغاء. جاورتُهن في أروقة المحاكم، حيث يخلع الناس أقنعتهم عند عتبة القاعة، فخرجتُ بحذرٍ من الأحكام السريعة، وبرحمةٍ لم أجدها في الكتب. وتعلّمتُ أن أصدق الحكايات تُروى بالصمت، وأن أثقل الأوجاع هي التي تُوارى بابتسامةٍ هادئة
وربما لهذا، كلما ظننتُ أنني فهمتُ حكاية امرأة، تذكّرتُ أن ما نراه منها ليس إلا الجزء الذي استطاعت أن تضعه أمامنا أما ما أبقته في داخلها، فلها وحدها حقّ الاحتفاظ به.

 
وأقول: كوني كالخيل.

ليست القوة ما أعنيه فالصخر أقوى…  في الخيل شيءٌ آخر: سيادةٌ لا تُشرح. تنام واقفة، كأنها لا تأتمن الأرض على ركبتيها وتسير في العتمة بثقة من يعرف أن الطريق يُعرف بالخطى لا بالضوء وإذا تعثّرت لم تطل التحديق في الحفرة، رفعت رأسها ومضت.

وليست هذه صلابةَ الحجر فجموده يعفيه من الألم، وليس في ذلك فضيلة. أمّا الخيل، فترتجف جلدتها من ذبابة، وتحمحم، وتسكن للمسةِ يدٍ تمسح عنها عرق السباق.

 العزة حسٌّ مرهف تحت جلدٍ رقيق الحساسية فيها ليست ضعفًا يُداريه الكبرياء، بل هي ما يجعل الكبرياء نبيلًا لا قاسيًا…  لكِ البكاء والتعب، ولكِ أن تقولي: «آذاني هذا»، فالشجاعة أحيانًا نبرةٌ مرتجفة تعترف.

 
في الممرات الخشبية أمام القاعات، تعلّمتُ، خلال سنوات عملي، أن الدعوى ليست الحكاية كلها. رأيتُ نساءً يحملن في ملامحهن سنواتٍ من الصمت، وأخرياتٍ يتحدثن بلا انقطاع، كأنهن يحاولن استعادة أصواتٍ لم تجد من يسمعها طويلًا. ورأيتُ من تطلب حقًا يبدو بسيطًا في أوراق القضية، بينما كان السؤال الأعمق يسكن عينيها: هل ما زالت كرامتي في مأمن؟

كنتُ أتأمّل أيديهن وهي تقبض على الأوراق بإحكامٍ زائد، وأشعر أحيانًا أن تلك الأوراق لم تعد مجرد مستندات، بل آخر ما تحاول المرأة أن تتمسّك به وسط عالمٍ لم يعد يشبه ما عرفته.

ولم تكن الأوراق تخبرني دائمًا بما أردتُ معرفته فبين سطور الدعوى حياةٌ لا تتّسع لها مادة قانونية، وذاكرةٌ لا تُرفق بالمستندات، وامرأةٌ قد تنهي حديثها بجملةٍ عابرة، ثم تمضي وهي تحمل ما لم تقله أثقلَ مما قالت.
 
من هؤلاء النساء، تعلّمتُ أن أحذر من الأحكام السهلة فكم من امرأةٍ بدت لي قويةً وهي تخوض أصعب أيامها، وكم من امرأةٍ ظننتُ أنها تراجعت، ثم اكتشفتُ أن وراء صمتها قرارًا لم يكن سهلًا عليها.
ولم أعد أسأل نفسي دائمًا لماذا بقيت امرأةٌ حيث تألمت، أو لماذا عادت إلى بابٍ ظننتُ أنها تجاوزته. فلكلّ امرأةٍ حكايةٌ لا أعرف منها إلا ما استطاعت أن ترويه.
وربما لهذا أحببتُ الخيل ففيها شيءٌ لا يحتاج إلى تفسير. تراها تمضي، فتدرك جمال مشيتها، دون أن تعرف ما الذي قطعته قبل أن تراها.
 
صديقتي، ويأتي يومٌ لا ينقصكِ فيه الصبر بقدر ما ينقصكِ أن تضعي عن كتفيكِ ما حملتِه طويلًا. يومٌ تتمنّين فيه ألّا يسألكِ أحدٌ كيف تجاوزتِ، ولا أن تضطري إلى طمأنة أحدٍ بأنكِ بخير.
فتذكّري الخيل بعد عناء السباق حين تخفت الأصوات، ويخلو المضمار، ولا يبقى عليها أن تثبت شيئًا لأحد. عندها فقط، تستريح، ويهدأ نَفَسها، وتعود إلى سكينتها.
ولعلّ للمرأة حقًّا في تلك اللحظات أيضًا أن تخلع عن روحها عناء التماسك، وأن تستريح دون أن تشرح تعبها، وأن تكون بخيرٍ مع نفسها، ولو لم تكن بخيرٍ بعد.
 
ليس مطلوبًا منكِ ألّا تنكسري يا صديقتي فحتى الخيل تُنهكها المسافات، وتثقل خطوها وعورة الطريق. لكنّها لا تفقد أصالتها لأنّها تعبت، ولا تنقص من نبالتها عثرة.
كوني كالخيل تمضي وفي عينيها حكاياتٌ لا يعرفها العابرون، وفي خطوها أثرُ كلّ ما اجتازته.
ولا تسمحي للحياة، مهما قست، أن تنتزع منكِ أجمل ما فيكِ:
عزّتكِ.

 

 

بقلم المحامية شيرين كم نقش


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com