|  آخر تحديث أكتوبر 11, 2026 , 9:49 ص

الفقرُ الذي أخشاه على أحفادي


الفقرُ الذي أخشاه على أحفادي



 

 

كتبتُ ذات يومٍ عن أولئك الذين «فقراء لا يملكون سوى المال»، وحسبتُ أنني بلغتُ بذلك طرف المعنى. غير أن العمر كلما أوغل كشف لي أن للمعنى آفاقًا لا تنتهي. وها أنا اليوم، وأنا أتأمل وجوه أحفادي، أبصر فقرًا آخر أحقَّ بالخشية: فقرًا لا تفضحه الجيوب ولا تدلّ عليه المظاهر، يتسلل إلى القلب على مهل، حتى يغدو صاحبه كثيرَ الامتلاك، قليلَ الإحساس.

لا أكتب من شرفة المتفرّج على جيلٍ يمضي، بل من مقام امرأة عاشت عمرًا طويلًا، وعرفت ضيق الأيام قبل سَعتها، وشهدت كيف تبدأ الأسرة من القليل ثم تمضي بما ييسّره الله لها. كانت بداياتنا كبدايات كثيرين، لا تُنال فيها كل رغبة، ولا تمتدّ اليدُ إلى كل ما تراه العين. ومع ذلك لم نشعر يومًا أن قلّة المال تنتقص منّا شيئًا، ولم نتعلّم أن ننظر إلى الإنسان من نافذة ما يملك، بل من نافذة ما يحمل في داخله.

وذلك ما حرصتُ أن يبلغ أبنائي، وأن يستقرّ في تربيتهم وضمائرهم: أن المال وسيلةٌ من وسائل العيش، لا ميزانٌ لقيمة الإنسان. وأن اليد قد تخلو اليوم وتمتلئ غدًا، فالأحوال دُوَل. أما ما يستقرّ في النفس من كرامةٍ ورحمةٍ ومروءةٍ ووفاء، فإذا ضاع عزَّ تعويضه.

 

واليوم ألتفت إلى أحفادي بعينٍ أخرى. فالإنسان إذا صار جدًّا لم يعد يخشى على أحبّته من مشقّة الدرب وحدها، بل من أمورٍ قد تغيّر قلوبَهم وهم يحسبون أنهم يمضون إلى الأفضل.

أخشى عليهم من عالمٍ يكثر فيه العرض حتى يتضاءل القليل في أعينهم. ومن زمنٍ سبقت فيه المقارنةُ الرضا، وصارت الأشياء تصل إلى العيون قبل أن نتعلّم كيف نزنها. أخشى أن يكبروا فيقيسوا نجاحهم بما يملكون، ويقرأوا الناس من عناوينهم ومظاهرهم، ويعتادوا أن يروا الحاجةَ عيبًا، والبساطةَ نقصًا، وقلّة الحيلة سببًا للابتعاد.

ولستُ أخشى عليهم الغنى.

 

بل أتمنى أن تُفتح لهم أبواب الدنيا، وأن يعيشوا حياةً كريمة رحبة، وأن يملكوا ما يجعل أيامهم أيسر وأجمل، ولهم من الخير أكثر مما تُحسن الكلمات أن تقول. لكنني أخشى أن تأتي الوفرةُ ومعها قسوةٌ لا يشعرون بها، فتمتلئ الأيدي بالكثير ويخلو القلب من شيءٍ لا يُشترى.

علّمتني مهنتي، في سنين طويلة بين الناس وحكاياتهم وأوجاعهم، أن الإنسان لا ينكشف حين تُيسَّر له الدنيا، وإنما تظهر معادن القلوب في نظرتنا إلى من كان أقلَّ منا حظًّا. رأيتُ من يملك القليل وقلبه فسيح، ورأيتُ من ملك الكثير فلم يجد في قلبه موضعًا لوجع إنسانٍ آخر.

 

ومن هنا يأتي خوفي.

لا أريد لهم أن يعيشوا حياتنا القديمة، فلكل زمنٍ أدواته وأحلامه وضروراته، وأنا أول من يعرف ذلك. ولا أريد أن أقف بهم أمام الدنيا بعقل الماضي. أريدهم أن يأخذوا من حاضرهم أجمل ما فيه، دون أن يدفعوا من إنسانيتهم ثمنًا لذلك.

أريدهم أن يعلموا أن النجاح لا يستلزم أن يصغر أحدٌ كي نكبر، وأن امتلاك الأشياء لا يمنحنا حقَّ امتلاك الناس، وأن من يملك أقلَّ ليس بالضرورة أقلَّ، كما أن من يملك أكثر ليس بالضرورة أغنى.

وأكثر ما يوجعني أنني لا أستطيع دائمًا أن أقنع من أحبّ بهذه الحقيقة. وكثيرًا ما أسائل نفسي، وأنا أرى المقاييس تتبدّل من حولنا: أقصّرتُ في إيصال ما عشتُه وآمنتُ به؟ أم أن صوت العالم المادي صار أعلى من كل ما حاول جيلُنا أن يغرسه في الأبناء؟

 

ثم أعود فأقول: لعل المسألة ليست إخفاقًا ولا نجاحًا. فلكل جيلٍ لغته، ولكل زمنٍ ضغوطه، وليس علينا إلا أن نودع في القلوب شيئًا من تجربتنا، عسى الأيام أن تتمّ ما عجزت عنه الكلمات.

ولهذا أكتب اليوم لأحفادي قبل غيرهم، أولئك الذين يُعيدون إلى الإنسان نظره في أبسط الأشياء. فما نتمنّاه لهم لا ينتهي عند أن يكبروا وينجحوا ويملكوا بيتًا جميلًا وعيشًا مريحًا. نتمنّى لهم ما هو أعمق: أن يكبروا ولا يضيعوا أنفسهم في الطريق.

أرجو أن تبقى أيديهم ممدودة للخير مهما اتسعت حياتهم، وأن تظلّ عيونهم ترى الإنسان قبل ثيابه، وتعبَه قبل عجزه، وحاجته قبل مظهره. أرجو ألا يُحرجهم فقير، ولا يستصغروا بسيطًا، ولا يشعر أحدٌ بين أيديهم أنه أقلّ قدرًا لأنه لم ينل ما نالوا.

فأنا لا أريد أن أورّثهم خوفي من الفقر، وإنما أريد أن أورّثهم فهمًا صحيحًا للغنى.

 

الغنى أن تفرح بما لديك دون أن يحجبك ذلك عن التعاطف مع من ليس لديه. وأن تملك القدرة على الاختيار دون أن تفقد القدرة على التقدير. وأن تدخل البيوت العامرة فلا تنسى بيتًا علّمك يومًا أن القليل، إذا حرسته المحبة، يكفي.

ولعلّ أعزّ ما أرجوه لهم أن يبقى في داخلهم ذلك الموضع الصغير الذي لا تبلغه أسعار الأشياء، ولا موازين السوق، ولا ضجيج المقارنات. الموضع الذي تربّينا فيه على أن الكلمة الطيبة قيمة، والوفاء ثروة، والرحمة قوة، وأن الكرامة تتمّ بلا رصيدٍ مصرفي.

فإن عظُمت الدنيا في أيديهم، فلا تصغر في قلوبهم.

وإن اتسعت لهم الحياة، فليتسعوا لها دون أن تضيق أرواحهم بمن هم أقلّ حظًّا.

وإن بلغوا يومًا ما تمنّيناه لهم، فليتني أراهم يلتفتون إلى الوراء بابتسامة، لا بشعور التفوّق، ويتذكّرون أن كثيرًا مما وصل إليهم سبقه أناسٌ حملوا عنهم مشقّة البدايات.

ليست هذه وصيّة جدّةٍ تخشى على أحفادها من الغد، بقدر ما هي قطعةٌ من قلب امرأةٍ عاشت عمرها، وعرفت أن المال قد يسند الحياة، لكنه لا يمنحها معناها.

 

ولذلك، كلما نظرتُ إلى أحفادي، لا أسأل كم سيملكون حين يكبرون، بل أسأل سؤالًا واحدًا يختصر خوفي وحبي معًا:

حين تكبر أيديهم بما يكفي… هل سيبقى في قلوبهم متّسعٌ ليدٍ أقلّ حظًّا؟

 

بقلم المحامية شيرين كم نقش 

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com