|  آخر تحديث سبتمبر 2, 2026 , 22:19 م

يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ


يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ



 

للعين حكاية أطول مما نظن فما يمرّ بها لا ينتهي دائمًا عند حدودها، إذ قد تحمل بعض المشاهد طريقها إلى الذاكرة، ثم تستقر في الخاطر، وتعود في أوقات لم نطلب عودتها. ومن هنا كان أدب النظر واحدًا من تلك الأخلاق الصامتة التي لا يلتفت إليها المرء كثيرًا، مع أنها تمسّ صفاء القلب في أعمق مواضعه.

وربما كان الإنسان في بعض لحظات حياته أشبه بمسافر يمشي في سوق واسعة تمر أمامه أشياء كثيرة، يلمحها ثم يمضي، ويظل قلبه خفيفًا ما دام لا يجعل من كل ما تقع عليه عيناه أمنية. فكم من عينٍ أتعبت صاحبها لأنها ظلت تقيس حياته بما رأت في حياة الآخرين، وكم من قلبٍ ضاق حين طال وقوفه أمام ما في أيدي الناس، مائدة هنا، وبيت هناك، ونعمة يراها عند هذا، وحياة يتخيلها عند ذاك. حتى يغدو النظر نفسه بابًا من أبواب التعب، بينما كانت له في الأصل فسحة للمعرفة والجمال.

وفي مشهد آخر، قد تقع العين على عثرة إنسان، أو على لحظة ضعفٍ انكشفت على غفلة، فيكون أكرم ما تفعله أن تمضي. تمرّ النظرة كما تمرّ الريح على نافذة مغلقة، فلا تستدعي وراءها فضولًا، ولا تجعل من ستر الناس مادةً للحديث. ولعل من أجمل صور المروءة أن يرى المرء ما يمكنه أن يروي عنه، ثم يختار الصمت وأن تقع عيناه على ما يستثير فضوله، فيترك لصاحبه حقه في أن تبقى بعض تفاصيل حياته بعيدة عن العيون.

هكذا يتسع معنى غض البصر شيئًا فشيئًا، حتى يغدو خلقًا يرافق الإنسان في علاقته بالعالم كله في شهوته، وفي فضوله، وفي مقارناته، وفي نظره إلى أرزاق الآخرين، وفي طريقته في رؤية الضعف البشري. وعندها تصبح العين جزءًا من تربية القلب فما كل ما يلمع أمامها يستحق أن يتحول إلى رغبة، وما كل ما ينكشف لها يستحق أن يتحول إلى معرفة، وما كل نعمة تراها عند غيرها تحتاج أن تبحث عن مكانها في حياتها.

وحين تألف النفس هذا الأدب، يهدأ فيها التطلّع، وتستقرّ في نعمتها، فترى ما في يدها كثيرًا، وما عند الله أوسع.

ويمضي صاحبها في الحياة هنيئًا شاكرًا لما أُعطي، راضيًا بما قُسِم، وساعيًا في رزقه بقلبٍ مطمئن.

فربّما كان غضّ البصر رزقًا خفيًا يورث القلب قناعةً، والنفس سكينةً، ويجعل للروح سترًا من نور، ويترك في الطريق بركةً لا يدري العبد من أين جاءت.

فإذا كان رزقُك مكتوبًا، وعزُّك في غنى قلبك، فما الذي يجعل عينيك تبحثان عمّا في أيدي الناس… وأنت تعرف أن أوسع الأبواب بابُ الله؟  

 

بقلم المحامية شيرين كم نقش


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com