|  آخر تحديث أغسطس 30, 2026 , 20:49 م

لا تشيلون الهم… فلسفة قيادة في زمن القلق


لا تشيلون الهم… فلسفة قيادة في زمن القلق



 

 

بقلم د. عبدالعزيز العبداللطيف

 

 

قال الشيخ محمد بن زايد يوما

«لا تشيلون الهم»

قد تبدو جملة عاطفية بسيطة، لكنها في رأيي تختصر جزءا مهما من فلسفة القيادة الحديثة، أن تخفف قلق الإنسان على يومه، وتمنحه القدرة على التخطيط لغده، وتجعله يشعر أن هناك دولة تحميه، واقتصادا يفتح له الأبواب، ومجتمعا يستطيع أن يعيش فيه مطمئنا.

وهذه التجربة لم تستنسخ مدرسة اقتصادية جاهزة، فلا هي رأسمالية متوحشة ترى الإنسان رقما في ميزانية، ولا هي اشتراكية تغلق السوق باسم حماية المجتمع.

بل أخذت من المدرسة الرأسمالية أفضل ما فيها، حرية الاستثمار، والمنافسة، والانفتاح على العالم، واحترام رأس المال والمبادرة الفردية. وأخذت من النظرة الإنسانية في الاشتراكية اهتمامها بالحماية الاجتماعية، وحقوق العامل، والسكن، والتعليم، والصحة، وتكافؤ الفرص.

ثم صنعت من الاثنين نموذجا خاصا.

والأرقام المنشورة في 2026 تعطي لهذه الفكرة معناها العملي. فقد بلغ الناتج المحلي نحو 1.9 تريليون درهم في 2025، بنمو 6.2%، فيما وصل الناتج غير النفطي إلى نحو 1.5 تريليون درهم. كما جاءت الدولة خامسة عالميا والأولى عالميا في الأداء الاقتصادي في تقرير التنافسية العالمي لعام 2026.

هذه جهة المستثمر من المعادلة.

أما الجهة الأخرى فهي العامل.

ففي 2026 أعلنت وزارة الموارد البشرية والتوطين أن 99% من العاملين في القطاع الخاص مسجلون في نظام حماية الأجور، فيما تجاوزت المبالغ المدفوعة ضمن برامج حماية مستحقات العمال 300 مليون درهم.

وهنا تظهر الفكرة التي تستحق التأمل.

الدولة التي تحمي المستثمر وتزيل البيروقراطية من طريقه، هي نفسها التي تراقب وصول راتب العامل وتحمي مستحقاته.

فلماذا نفترض أن المستثمر والعامل خصمان؟

المستثمر يحتاج إلى عامل مستقر يعرف حقوقه، والعامل يحتاج إلى مستثمر ناجح يوفر له وظيفة وراتبا وفرصة للنمو. وحين يحمي القانون الاثنين يصبح رأس المال أكثر اطمئنانا، ويصبح الإنسان أكثر كرامة.

فالطمأنينة ليست راتبا فقط، كما أن الثراء ليس ناتجا محليا فقط.

الطمأنينة أن يعرف المواطن أن هناك تعليما وصحة وسكنا وأمنا، وأن يعرف المقيم أن عقده وحقوقه مصانة، وأن يعرف المستثمر أن أمواله تعمل في بيئة مستقرة وقانون واضح.

ولعل القرآن لخص هذه المعادلة منذ قرون في دعاء إبراهيم عليه السلام

﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾

فجاء الأمن أولا، ثم جاء الرزق.

وهكذا أفهم عبارة «لا تشيلون الهم».

ليست وعدا بأن الدولة ستفعل كل شيء بدلا عن الإنسان، بل رسالة بأن الإنسان يعمل ويجتهد ويستثمر، وفي المقابل توجد دولة تجعل الطريق أكثر أمانا وعدلا.

ولدار زايد دائما مساحة ثالثة لا تشبه غيرها، لا تقف عند الاقتصاد وحده، ولا عند المجتمع وحده، بل تجمعهما ببعد إنساني يجعل النجاح أكثر دفئا والازدهار أكثر معنى.

وفي ظني المتواضع ، هي فلسفة تدرس ، للبعد الثالث الاماراتي .

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com