بقلم المحامية: شيرين كم نقش
يقال: «إذا لم تفهم الحكمة، فسلِّم للحكيم».
ولعل الإنسان لا يتعبه ما يحدث له بقدر ما يتعبه إصراره على أن يفهمه كله، يريد لكل بابٍ أُغلق سببًا، ولكل تأخير تفسيرًا، ولكل فقدٍ جوابًا، وكأن الحياة مطالبة بأن تكشف له أوراقها قبل أن يعيشها.
غير أن في الوجود أشياء لا تُفهم من أول نظرة، وأقدارًا لا تظهر حكمتها في وقتها. فما نراه نهايةً قد يكون بداية لم نتهيأ لها، وما نحسبه منعًا قد يكون لطفًا جاء في صورة لم نحبها، وما يؤلمنا اليوم قد يحمل في الغد معنى لا تستطيع لحظتنا الراهنة أن تراه.
ولذلك، فإن التسليم ليس إطفاءً للعقل، ولا استسلامًا لما لا نقبل، إنما هو أن نفعل ما نستطيع، ثم نعرف أين تنتهي قدرتنا ويبدأ علم الله. نسعى، ونسأل، وندافع عن الحق، ونأخذ بالأسباب، ثم نترك في القلب موضعًا هادئًا يقول: لعلّ الله يعلم ما لا أعلم.
ومن هنا يبدأ نوع آخر من الطمأنينة … طمأنينة لا تقوم على معرفة الغيب، بل على الثقة بمن يعلم الغيب.
وكم نحتاج إلى هذه المساحة في علاقتنا بالناس أيضًا. فنحن كثيرًا ما نقرأ الآخرين من سطرٍ واحد، ثم نكتب عنهم حكاية كاملة. نرى الصمت ولا نعرف ما أثقله، ونرى القسوة ولا نعرف ما سبقها، ونلتقط موقفًا عابرًا ثم نحوله إلى حكمٍ دائم.
بينما لكل إنسان جهة أخرى من حكايته لا تظهر لنا بالضرورة.
وربما لهذا كان التريث خلقًا جميلًا لأنه يمنح الحقيقة فرصة أن تصل قبل أن يصل حكمنا إليها. وقد يكون في كلمة لم نسأل عنها، أو موقف لم نمهل صاحبه لشرحه، ما يغيّر الصورة كلها.
حتى القانون، الذي يقوم على التثبت قبل الحكم، يذكّرنا بهذه الحقيقة. فالقضية لا تُختصر في رواية طرف، والحكم لا يُبنى على الانطباع، وإنما على ما يثبت من وقائع وأدلة. ولعل أجمل ما نتعلمه من ذلك أن ما نعرفه ليس دائمًا كل ما حدث.
وهنا تتسع الحكمة من قاعة المحكمة إلى الحياة فإذا كان العدل يقتضي ألا نحكم قبل أن نتحقق، فإن الرحمة تقتضي كذلك ألا نجعل ظنوننا أحكامًا نهائية على الناس.
ومع ذلك، ليست الحكمة أن نبرر كل شيء، ولا أن نمنح الخطأ اسمًا أجمل، ولا أن نقبل الظلم بحجة أن وراءه حكمة لا نعرفها. فالحق يبقى حقًا، والظلم يحتاج إلى موقف، والإنسان مأمور بالسعي لا بالاتكاء على الأقدار.
لكن بعد أن نفعل ما نستطيع، هناك أشياء لا تعود في أيدينا…هناك نتيجة دعونا الله أن تكون على غير ما جاءت.
وهناك شخص بذلنا في سبيل بقائه ثم اختار الرحيل…وهناك طريق سعينا إليه طويلًا ولم يُكتب لنا.
وهناك أمنية ظللنا نطرق بابها، حتى أدركنا أن الخير ربما كان في ألا تُفتح، عندها لا يبقى أمام القلب إلا أن يهدأ قليلًا.
لا لأنه حصل على الإجابة، بل لأنه عرف إلى من يسلّم السؤال.
وهذه، في ظني، من أرقى مراتب الإيمان: أن تعمل دون أن تتعلق بالنتيجة، وأن تحزن دون أن تسخط، وأن تفقد شيئًا دون أن تفقد ثقتك بالله، وأن تقول بعد كل ما لم تفهمه: ربما كان في الأمر ما لم أره.
فالله لا يضع الحكمة كلها في اللحظة التي يقع فيها الحدث بعض الحكم تحتاج إلى عمرٍ كي تنكشف، وبعضها قد لا ينكشف لنا أصلًا. ومع ذلك، لا تضيع الطمأنينة لأن مصدرها ليس معرفتنا بما سيأتي، وإنما يقيننا بأن الذي يدبر الأمر أرحم بنا من أنفسنا وأعلم بما يصلح لنا.
ولعلنا لو نظرنا إلى حياتنا من بعيد، لاكتشفنا أن كثيرًا من الأشياء التي أقلقتنا يومًا لم تكن تستحق كل ذلك الخوف، وأن أبوابًا ظننا إغلاقها خسارة كانت في الحقيقة تصرفنا عن طريق لم يكن لنا، وأن بعض التأخيرات كانت تمنحنا وقتًا لنصبح نحن أنفسنا أكثر استعدادًا لما تمنيناه.
لهذا، ليس علينا أن نُكره الحياة على أن تشرح نفسها لنا في كل لحظة.
يكفينا أن نعيشها بوعي، وأن نعامل الناس بإنصاف، وأن نأخذ بالأسباب، وأن نحفظ في أرواحنا نافذة مفتوحة على الغيب.
فحين لا نفهم، لا نتعجل الرفض وحين نتألم لا نتهم القدر وحين يطول الطريق لا نفترض أننا ضللناه.
وحين تتأخر الإجابة لا نظن أن الدعاء قد ضاع.
فربما كانت هناك، دائمًا، جهة أخرى من الحكاية لا نراها بعد.
وحين يصل القلب إلى هذه المساحة، يصبح قادرًا على أن يقول في هدوء لا يحتاج إلى كثير من الكلام:
لا أعرف لماذا حدث كل هذا…لكنني أعرف من بيده كل هذا.
وحينها، لا يعود غياب الإجابة فراغًا لأن في القلب يقينًا يملؤه.
إذا لم تفهم الحكمة، فسلِّم للحكيم.



(
(






