بقلم: مريم عبدالله القيواني
رائدة أعمال مستشارة وكاتبة صحفية
المقدمة
بعد الصدمات والتجارب القاسية، قد لا ينتهي الألم بمجرد انتهاء الحدث. أحياناً ينتهي الموقف، لكن يبقى أثره في الذاكرة والمشاعر وطريقة التفكير.
قد يعيش الإنسان في حالة تأهب مستمرة؛ يسترجع ما حدث، يخشى تكراره، أو يبالغ في مراقبة ما حوله بحثاً عن أي علامة قد تعيد إليه الألم.
وهنا تظهر أهمية اليقظة الذهنية؛ فهي ليست محاولة لنسيان الماضي، ولا تجاهلاً للمشاعر، وإنما طريقة تساعد الإنسان على العودة إلى اللحظة الحاضرة، وفهم ما يحدث داخله بوعي وهدوء.
ما هي اليقظة الذهنية؟
اليقظة الذهنية هي أن يكون الإنسان حاضراً مع نفسه ومع اللحظة التي يعيشها، وأن يلاحظ أفكاره ومشاعره دون أن يحاكمها أو يسمح لها بأن تقوده بشكل تلقائي.
فليس كل ما نفكر فيه حقيقة، وليس كل شعور نشعر به يحتاج إلى رد فعل.
أحياناً نحتاج فقط إلى أن نتوقف، نلاحظ ما يحدث بداخلنا، ثم نختار كيف نتصرف.
وهذه المساحة الصغيرة بين الشعور وردة الفعل قد تكون بداية كبيرة نحو السلام الداخلي.
علاقتها بالسلام الداخلي
السلام الداخلي لا يعني أن تختفي المشكلات أو أن تصبح الحياة خالية من الألم.
فالإنسان قد يحزن، ويخاف، ويتعب، ويتذكر ما مر به، ومع ذلك يستطيع أن يتعلم ألا يجعل هذه المشاعر تتحكم في حياته بالكامل.
اليقظة الذهنية تساعدنا على التمييز بين ما يحدث الآن وبين ما حدث في الماضي.
قد تكون التجربة انتهت، لكن العقل ما زال يتصرف وكأن الخطر موجود.
لذلك قد يحتاج الإنسان إلى أن يقول لنفسه:
أنا هنا… الآن.
ما حدث أصبح جزءاً من الماضي، وما سيحدث في المستقبل لم يأتِ بعد.
أما هذه اللحظة فهي اللحظة التي أستطيع أن أعيشها وأتعامل معها.
لمن مرّوا بالصدمات والمحن
لا تطلب من نفسك أن تتجاوز كل شيء بسرعة.
بعض الجروح تحتاج وقتاً، وبعض التجارب تترك أثراً لا يختفي بمجرد أن نقول لأنفسنا: «انسَ ما حدث».
كن أكثر رحمة مع نفسك.
عندما تشعر بالتوتر أو الخوف، توقف للحظات واسأل:
ماذا أشعر الآن؟
ماذا أحتاج الآن؟
هل أنا أتعامل مع واقع اللحظة، أم أنني أعيش من جديد تجربة قديمة؟
ثم خذ نفساً هادئاً، انتبه إلى المكان من حولك، اشعر بقدميك على الأرض، واسمح لعقلك بالعودة تدريجياً إلى الحاضر.
هذه الممارسة البسيطة لا تمحو التجربة، لكنها قد تساعد الإنسان على ألا يعيش أسيراً لها.
السلام لا يعني غياب العواصف
لن نستطيع التحكم في كل ما يحدث حولنا.
لا نستطيع تغيير الماضي، ولا التحكم في الآخرين، ولا ضمان أن الحياة ستسير دائماً كما نريد.
لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نتعامل مع ما يحدث بوعي أكبر.
أن نتوقف قبل الرد.
أن نفكر قبل اتخاذ القرار.
أن نعترف بمشاعرنا بدلاً من الهروب منها.
وأن نمنح أنفسنا فرصة للهدوء قبل أن نحكم على أنفسنا أو على الآخرين.
فالسلام الداخلي ليس حياة بلا مشكلات، وإنما قدرة متزايدة على التعامل مع الحياة دون أن نفقد أنفسنا وسط عواصفها.
الخاتمة
اليقظة الذهنية ليست هروباً من الحياة، بل عودة واعية إليها.
هي أن تتعلم أن الماضي يستحق أن يُفهم، لكنه لا يستحق أن يسكن حياتك إلى الأبد.
وأن المستقبل يستحق التخطيط، لكنه لا يستحق أن يسرق منك لحظة الحاضر.
أما السلام الداخلي، فلا يعني أن تصبح الحياة بلا عواصف؛ بل أن تتعلم كيف تبقى ثابتاً عندما تهب العاصفة.
وربما يكون المفتاح الذي نبحث عنه طويلاً في الخارج، موجوداً في لحظة بسيطة جداً:
أن نتوقف… نتنفس… ننتبه… ثم نختار أن نعيش هذه اللحظة بوعي.



(
(






