بقلم: المحامية شيرين كم نقش
وبينَ القلوبِ من المسافاتِ رحمةٌ… بها يحلو الودُّ الجميلُ ويزدهرُ
في الطريق ثمة مسافة صغيرة تفصل مركبة عن أخرى، قد لا ننتبه إليها ونحن نمضي، لكنها في لحظة مفاجئة قد تكون الفاصل بين نجاة واصطدام.
وما أكثر ما نحتاج إلى مثلها في حياتنا فالعلاقات الإنسانية، مهما بلغت حميميتها، تحتاج إلى مساحة تتنفس فيها. مساحة تحفظ للآخر خصوصيته، وللقلب هدوءه، وللمحبة عذوبتها.
نقترب ممن نحب، نشاركهم أفراحهم وأوجاعهم، نعرف شيئًا من أسرارهم، ونمد أيدينا إليهم حين تثقل بهم الحياة. لكن هناك أشياء لا تحتاج إلى سؤال، وأبوابًا لا يفتحها الحب، وأوقاتًا يكون أجمل ما نقدمه فيها لمن نحب أن نتركه مع نفسه قليلًا.
في الأسرة، قد تبدأ بعض الخلافات من حرص صادق، ثم يكبر الحرص حتى يصبح تدخلاً، ويصبح السؤال مراقبة، وتتحول الرغبة في الاطمئنان إلى شعور بالاختناق.
وفي الصداقة، قد تهدم كلمة قيلت في غير موضعها سنوات من الثقة. وفي الجوار، قد يتحول الفضول إلى انتهاك لخصوصية لا نملك حق الاقتراب منها. وفي العمل، قد ننسى أن الزمالة لا تعني امتلاك تفاصيل حياة الآخرين.
حتى بين أكثر الناس قربًا، تظل لكل إنسان زاوية صغيرة في روحه تخصه وحده يحتفظ فيها ببعض صمته، وبعض أفكاره، وبعض ما لا يرغب في مشاركته واحترام تلك الزاوية لا يطفئ المحبة وإنما يصونها.
وحين تتجاوز العلاقات حدودها، لا تكون الخسارة عاطفية دائمًا. فقد تتحول بعض التجاوزات إلى إساءة للسمعة، أو إفشاء للخصوصية، أو تهديد، أو تشهير، أو غير ذلك مما قد يرتب أثرًا قانونيًا حين يمس حقًا يحميه القانون.
ولعل أجمل ما في فكرة المسافة الآمنة أنها لا تدعونا إلى الابتعاد، وإنما إلى حسن الاقتراب.
أن نعرف متى نسأل، ومتى نصمت، متى نمسك اليد، ومتى نترك لصاحبها حرية الحركة.
متى يكون حضورنا سندًا، ومتى يصبح حضورنا عبئًا.
فالحياة لا تستقيم بكثرة القرب وحدها إنما تستقيم حين يعرف كل منا موضع قدميه في حياة الآخر.
فكم من علاقة أنهكها الاقتراب أكثر مما أنهكها البعد، وكم من محبة بقيت جميلة لأن أصحابها عرفوا أن بعض الأبواب تُحفظ محبتها حين لا نطرقها.
ولعل النضج الإنساني كله يختصر في لحظة ندرك فيها أن من نحبهم ليسوا ملكًا لنا، وأن أجمل صور الأمان أن يشعر الإنسان وهو إلى جوارنا أنه يستطيع أن يكون نفسه دون خوف.
في الطريق، نحافظ على المسافة كي نصل سالمين , وفي الحياة نحافظ عليها كي نبقى قريبين دون أن نؤذي بعضنا.
فليست كل مسافة بُعدًا… بعض المسافات حبٌّ يعرف كيف يحمي من يحب.



(
(






