|  آخر تحديث أغسطس 5, 2026 , 16:52 م

﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾


﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾



بقلم المحامية : شيرين كم نقش

 

 

 

منذ أن توقفت طويلًا أمام قول الله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ تغيرت علاقتي بما تفقده يدي… 

لم أعد أنظر إلى كل ما يرحل من حياتي على أنه نهاية ولا إلى كل باب يُغلق في وجهي على أنه خسارة. فقد تعلمت أن بعض الأشياء لا تُؤخذ منا لأننا لا نستحقها، بل لأن الله يعلم أن مكانها لم يعد هناك، وأن بعض الفراغات التي تتركها الحياة في أيامنا ليست دائمًا علامة نقص، فقد تكون مساحة يهيئها الله لشيء أجمل لم يصل موعده بعد.

فالإنسان بطبيعته يتعلق بما يملك. يتعلق بمالٍ جمعه، وعملٍ تعب من أجله، وعلاقة ظن أنها ستبقى، وحلمٍ انتظر اكتماله، وحقٍ حمله في قلبه وظل يسعى لاسترداده.

وحين يُنتزع منه شيء من ذلك، لا يكون الألم بسبب الشيء وحده، بل بسبب الأسئلة التي تتركها الخسارة خلفها:

لماذا حدث هذا؟

هل كان يمكن أن يكون الأمر مختلفًا؟

وهل ضاع ما تعبت من أجله؟

وهنا يأتي الإيمان لا ليُلغي الألم، بل ليمنحه معنى آخر. فيغير السؤال داخل الإنسان من:

لماذا أُخذ مني؟ إلى: ماذا يُعدّ الله لي بعد هذا؟

 

وهنا يبدأ الفرق بين إنسان يعيش أسيرًا لما فقد، وإنسان يمضي مطمئنًا بما وعد الله.

فاليقين لا يجعل الإنسان بلا حزن، والقلوب خُلقت لتشعر، ولا يمنع الدموع، فالإنسان يبقى إنسانًا. لكنه يمنع الحزن من أن يتحول إلى يأس، ويمنع الألم من أن يصبح نهاية الحكاية.

 

ولعل من أكثر المواقف التي يظهر فيها هذا المعنى، تلك اللحظات التي يقف فيها الإنسان أمام ميزان العدالة، يحمل حقًا يؤمن به، ويسلك الطريق الذي رسمه القانون، ويقدم ما يستطيع من أدلة وبراهين، منتظرًا حكمًا ينصفه..

لكن القانون، مهما بلغ من الدقة والعدل، يبقى قانونًا بشريًا يحكم بما يظهر أمامه، لا بكل ما وقع.

ينظر إلى الأدلة، لا إلى كل ما تخفيه الصدور، يقرأ الأوراق لكنه لا يستطيع دائمًا أن يقرأ كل الحكاية التي خلفها.

وهذا ليس نقصًا في العدالة، بل هو طبيعتها فالقاضي لا يحكم بما يشعر به ولا بما يظنه، بل بما يثبت أمامه، لأن العدالة بين البشر لا تُبنى على الظنون وإنما على البينات.

 

ولهذا قد يدخل إنسان قاعة المحكمة وهو يحمل حقًا في قلبه، ثم يخرج منها وقد خسر الدعوى.

لا لأنه كان صاحب باطل أو لأن الحقيقة لم تكن معه بل لأنه لم يستطع أن يقدم الدليل الذي يحمل تلك الحقيقة إلى ميزان القضاء.

وهنا تلتقي عدالة الأرض بعدالة السماء فالقضاء البشري قد يقول: لم يثبت الحق أما الله سبحانه فيعلم أين كان الحق، ولمن كان، وكيف ضاع، وما الذي عجزت الأوراق عن روايته.

 

قد تغيب الحقيقة عن ملف، لكنها لا تغيب عن علم الله وقد تنتهي القضية في المحكمة، لكنها لا تنتهي في ميزان العدل الإلهي.

ومن هنا يصبح قول الله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾

أكثر من وعد بالعوض، إنه طمأنينة لكل قلب بذل وسعه، واستنفد أسبابه، وسلك الطريق الصحيح، ثم وصل إلى اللحظة التي تنتهي فيها قدرة الإنسان.

إن الإنسان يا صديقي مأمور بالسعي، لكنه ليس مطالبًا بحمل ما ليس في قدرته أما الحقيقة نفسها، فهي محفوظة عند من لا تخفى عليه خافية.

قد تخسر دعوى لكن لا تخسر حقًا عند الله وقد يعجز القاضي عن الحكم لك لكن لا يعجز الله عن العوض.

فالقانون يحكم بما ثبت، أما الله فيعلم بما كان، وما خفي، وما عجزت الأوراق أن ترويه.

 

وربما أجمل ما يصل إليه الإنسان بعد رحلة طويلة من الفقد ليس أن يستعيد كل ما فقده، بل أن يصل إلى تلك الطمأنينة العميقة التي يقول فيها قلبه:

يا رب، إن كان هذا قد مضى بأمرك… فأنا مطمئن لما سيأتي بفضلك.

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com