بقلم: مريم عبدالله القيواني
مستشارة، ناشطة مجتمعية قانونية
باحثة في السيكولوجية و السلوكيات البشرية
حين يدافع المحامي عن العدالة… من يحميه نفسيًا؟
في كل مرة يقف فيها المحامي للدفاع عن حق، أو يطالع ملف قضية، أو يستمع إلى رواية موكّل أنهكته الخسارة أو العنف أو الظلم، فإنه لا يتعامل مع وقائع قانونية مجردة، بل مع تجارب إنسانية مشحونة بالألم والخوف والانكسار. ومع مرور الوقت، قد لا تنتهي القضية عند صدور الحكم، بل تستمر آثارها في ذاكرة من حملها على عاتقه دفاعًا أو متابعة.
ورغم أن المجتمع ينظر إلى المحامي بوصفه صاحب الحجة والمنطق والصلابة، فإن هذه الصورة كثيرًا ما تُغفل حقيقة علمية تؤكدها الدراسات النفسية، وهي أن الممارسة القانونية المستمرة قد تُعرّض بعض المحامين لما يُعرف بـ “الصدمة النفسية غير المباشرة” (Vicarious Trauma)، وهي تغيرات نفسية قد تنشأ نتيجة التعرض المتكرر لمعاناة الآخرين، دون أن يكون الشخص نفسه ضحية مباشرة للحدث.
ويُعد هذا المفهوم من الموضوعات الحديثة نسبيًا في علم النفس المهني، حيث تناولته الأبحاث في المهن التي تتطلب انخراطًا مستمرًا مع قصص الصدمات الإنسانية، مثل الطب، والإرشاد النفسي، والعمل الاجتماعي، ثم امتد الاهتمام به إلى المهن القانونية؛ لما تتطلبه من استماع متكرر إلى روايات العنف، والجرائم، والنزاعات الأسرية، وقضايا الأطفال، والاحتيال، والاعتداءات، والخسائر المالية، وغيرها من الوقائع التي تستنزف الجانب النفسي قبل أن تستنزف الجهد القانوني.
المحامي… شاهد على الألم الإنساني
قد لا يكون المحامي حاضرًا في مسرح الجريمة، أو داخل المنزل الذي شهد عنفًا أسريًا، أو في موقع حادثة مأساوية، لكنه يعيش تفاصيلها من خلال الملفات، والشهادات، والاستجوابات، والمرافعات، وما يصاحبها من انفعالات إنسانية متكررة.
ومن منظور علم النفس، فإن الدماغ البشري يمتلك قدرة فطرية على التعاطف وفهم مشاعر الآخرين، إلا أن التعرض المستمر للمآسي دون وجود آليات صحية للتفريغ النفسي قد يؤدي إلى تغيرات تدريجية في طريقة التفكير والاستجابة الانفعالية، وهو ما يُعرف بالصدمة النفسية غير المباشرة.
حين تتحول المهنة إلى عبء نفسي
لا تظهر هذه الحالة بصورة واحدة لدى الجميع، كما أنها لا تعني وجود اضطراب نفسي، لكنها قد تتجلى في مؤشرات تستحق الانتباه، مثل:
* الإرهاق العاطفي المستمر.
* اضطرابات النوم أو الأحلام المرتبطة بالقضايا.
* التفكير في الملفات خارج ساعات العمل.
* صعوبة الفصل بين الحياة المهنية والحياة الشخصية.
* تراجع القدرة على التعاطف أو، على العكس، التعاطف المفرط الذي يستنزف الطاقة النفسية.
* سرعة الانفعال، وضعف التركيز، والشعور بالاحتراق المهني.
وتشير الأدبيات العلمية إلى أن استمرار هذه الأعراض دون معالجة قد يؤثر في جودة الأداء المهني، وقدرة المحامي على التحليل الموضوعي، واتخاذ القرار، والتواصل الفعّال مع موكليه.
ليس ضعفًا… بل استجابة إنسانية طبيعية
من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا الاعتقاد بأن تأثر المحامي نفسيًا دليل على ضعف شخصيته أو قلة خبرته. والحقيقة أن علم النفس يؤكد أن التعاطف المتكرر مع الألم الإنساني قد يترك أثرًا حتى لدى أكثر المهنيين خبرة، وأن الاعتراف بهذا الأثر يمثل وعيًا مهنيًا، لا انتقاصًا من الكفاءة.
فالمحامي ليس آلة تطبق النصوص، وإنما إنسان يتفاعل مع المواقف الإنسانية، ويوازن بين القانون والواقع، وبين النص والضمير.
بين الاحتراق المهني والصدمة النفسية
ومن المهم التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيرًا ما تختلط:
* الاحتراق المهني (Burnout): ينتج غالبًا عن ضغوط العمل المزمنة وكثرة المسؤوليات.
* إجهاد التعاطف (Compassion Fatigue): ينشأ عن الاستنزاف الناتج من تقديم الدعم للآخرين لفترات طويلة.
* الصدمة النفسية غير المباشرة (Vicarious Trauma): تتمثل في التأثير النفسي الناتج عن التعرض المستمر لتجارب الآخرين المؤلمة، بما قد ينعكس على نظرة الفرد إلى ذاته وإلى العالم من حوله.
والتمييز بين هذه المفاهيم يساعد المؤسسات القانونية على اختيار وسائل الدعم المناسبة لكل حالة.
الصحة النفسية… ضمانة لجودة العدالة
إن الاهتمام بالصحة النفسية للمحامين ليس مطلبًا شخصيًا، بل ضرورة مؤسسية تمس جودة العدالة ذاتها. فكلما تمتع المحامي بالاتزان النفسي، ازدادت قدرته على التحليل، واتخاذ القرار، والترافع بكفاءة، والتعامل مع موكليه بمهنية وموضوعية.
ولهذا، فإن المؤسسات القانونية مطالبة اليوم بتعزيز ثقافة الوعي النفسي، من خلال برامج التدريب على إدارة الضغوط، وتوفير خدمات الدعم النفسي بسرية، وتشجيع التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، وإدراج مفاهيم المرونة النفسية ضمن برامج إعداد المحامين.
خاتمة
إن العدالة لا تُبنى على النصوص القانونية وحدها، بل تحتاج إلى إنسان قادر على حمل مسؤوليتها دون أن يفقد توازنه النفسي. والمحامي، وهو يدافع عن حقوق الآخرين، يستحق بدوره بيئة مهنية تعترف بإنسانيته، وتحميه من الآثار الخفية التي قد تتركها سنوات طويلة من مرافقة الألم الإنساني.
فحماية المحامي نفسيًا ليست امتيازًا، بل استثمار في جودة العدالة، وكفاءة المنظومة القانونية، واستدامة الرسالة السامية التي يحملها رجال ونساء القانون.



(
(




