|  آخر تحديث أبريل 12, 2026 , 15:36 م

إن أكرمت الكريم ملكته… وإن أكرمت اللئيم تمرد


إن أكرمت الكريم ملكته… وإن أكرمت اللئيم تمرد



 

ثمة حكايات لا تُروى لتُحفظ، بل لتُفهم… لأنها لا تُخبرنا عن الآخرين بقدر ما تُعيد تعريفنا لأنفسنا في مرآةٍ لا تعرف المجاملة.

ومن تلك الحكايات، قصة الأعرابية التي عثرت، في امتداد الصحراء القاسي، على جرو ذئبٍ يكاد يهلك جوعًا وبردًا. لم تتردّد، لأن الرحمة في طباعها لم تُخلق لتتردّد. حملته إلى خيمتها، وآوته، ثم جعلت من شاتها الحلوب أمًّا له، يقتات من لبنها، وينمو في كنفها، حتى شبّ وقوي، وصار جزءًا من عالمٍ لم يُخلق له.

غير أنّ اللحظة التي ظنّت فيها الأعرابية أنها أنقذت حياةً، كانت ذاتها اللحظة المؤجلة التي ستكتشف فيها أنها أطلقت خطرًا.
فعندما عادت يومًا، لم تجد سوى شاتها ممزّقة، وجرو الذئب الذي ربّته جالسًا عندها… يلعق دمها.

لم يكن ما حدث خيانةً بالمعنى الأخلاقي، بل كان انكشافًا للطبع في أنقى صوره. فالذئب لم يتبدل، ولم يُبدّل، بل ظلّ أمينًا لما هو عليه، وإن خان توقعات من أحسن إليه.

 

وقد مرّ الأصمعي على هذا المشهد، فلم يقف عند حدّ الرواية، بل التقط منه قانونًا إنسانيًا بالغ الدقة، حين قال:

إذا كان الطباعُ طباعَ سوءٍ
فلا أدبٌ يفيدُ ولا طبيب

هنا، تحديدًا، تتجلّى المفارقة التي لا يجرؤ كثيرون على الاعتراف بها:أن الإحسان، حين يُمنح بغير بصيرة، لا يُصلح الطباع… بل يكشفها.

ذلك أن المشكلة لا تكمن في الذئب، فهو لم يفعل إلا ما ينسجم مع فطرته،وإنما تكمن في ذلك الميل الإنساني العميق إلى إسقاط ما نرجوه على من أمامنا، لا ما هو كامن فيه بالفعل.

ومن هنا، لا تعود الحكمة القديمة مجرد عبارة متداولة، بل تصبح توصيفًا دقيقًا لمسارٍ يتكرر عبر الأزمنة:

 

 

إن أكرمت الكريم ملكته، لأنه يرى في الإحسان عهدًا يُصان،
وإن أكرمت اللئيم تمرد، لأنه يرى فيه مساحةً يُستباح فيها.

 

 

وفي سياقنا المعاصر، لا تغادر هذه الحكاية إطارها الرمزي، بل تتجسد بأشكال أكثر تعقيدًا ونعومة.
في علاقاتٍ تُبنى على الثقة فتُستنزف، وفي شراكاتٍ تُمنح فيها المساحة فتُستغل، وفي كياناتٍ ترفع شعارات القيم، لكنها لا تتردد في توظيفها ما دامت تخدم مصالحها.

وهنا، لا يكون الخلل في قيمة الإحسان، بل في سوء تقدير موضعه. إذ ليس كل من أُحسن إليه، قادرًا على إدراك معنى الإحسان، فضلًا عن أن يردّه.

ومن زاوية أكثر انضباطًا، يمكن القول إن الثقة، كغيرها من القيم، لا تُصان بمجرد إعلانها، بل بإحاطتها بضوابط تحفظ مقصدها.
فالكرم، حين يُمارس بوعي، يظل فضيلة، أما حين يُطلق بلا تقدير، فقد يتحول دون أن نشعر إلى أداةٍ تُستخدم ضد صاحبه.

ومع ذلك، لا يدعو هذا الفهم إلى القسوة، ولا يبرر الارتياب، بل يضعنا أمام معادلة أكثر نضجًا:
أن نُحسن… لكن عن معرفة، وأن نمنح دون أن نتخلى عن قدرتنا على المنع حين يستدعي الأمر.

فحماية إنسانيتنا لا تكون بالتراجع عنها، بل بصيانتها من أن تُستغل.

لأن القيم، مهما سمت، إن لم تُحسن إدارة حضورها في الواقع، قد تنقلب من مصدر قوة إلى موضع استنزاف.

وعليه، لا تبدو قصة الأعرابية والذئب مجرد حكاية تُروى، بل درسًا متجددًا في فقه التعامل:
أن نفهم قبل أن نُحسن، وأن نُقدّر قبل أن نمنح، وأن نُدرك بهدوءٍ لا يخلو من الحزم أن بعض الطبائع لا تُغيّرها النِعم… بل تكشفها.

وفي المحصلة، لا يُطلب من الإنسان أن يتخلى عن طيبته بل أن يرتقي بها من عفوية الشعور إلى وعي الاختيار.

لأن الإحسان، في أرقى صوره، ليس أن تعطي الجميع، بل أن تعطي في موضع العطاء… وبالقدر الذي يحفظ المعنى من أن يُبتذل.

وحينها فقط، لا يعود الكرم مخاطرة، بل يصبح قوةً هادئة… لا تُستدرج، ولا تُستغل

بقرتَ شويهتي وفجعتَ قلبي وأنتَ لشاتِنا ابنٌ ربيبُ
غُذّيتَ بدرّها وربيتَ فينا فمن أنبأك أن أباك ذيبُ؟
إذا كان الطباعُ طباعَ سوءٍ فلا أدبٌ يفيدُ ولا طبيبُ

 

 

بقلم: المحامية شيرين كم نقش


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com