|  آخر تحديث أبريل 5, 2026 , 15:09 م

جيل يظن أنه يعلم… دون أن يتعلّم


جيل يظن أنه يعلم… دون أن يتعلّم



بقلم المحامية شيرين كم نقش

 

 

أجلس أحياناً لا كمحامية بل كأمٍ تشبه كل الأمهات وأراقب هذا الجيل الذي نحبّه أكثر مما نفهمه, جيلٌ لا يشبهنا لا في إيقاعه ولا في صمته ولا حتى في حزنه.

نحن كنّا نتعلّم ببطء نتعثّر ونخجل ونخطئ ثم نعود فنفهم، أما هم فلا وقت لديهم لكل ذلك إذ يبدو أن كل شيء يجب أن يحدث الآن فوراً بلا انتظار, ومع هذا التسارع الذي يطغى على تفاصيل حياتهم يتسلل إلينا سؤال صامت لكنه ثقيل:

كيف لجيلٍ يملك كل هذه الإمكانيات … أن يبدو أحياناً أقل فهماً؟

لعل الإجابة لا تكمن في نقص المعرفة، بل في اختفاء الطريق إليها ذلك الطريق الطويل الذي كنّا نسير فيه ونحن لا نعرف إلى أين سنصل فنخطئ ونتردد ونعود لنحاول من جديد حتى تصبح الفكرة جزءاً منا لا مجرد معلومة عابرة. أما اليوم، فقد أصبحت المعرفة أقرب مما ينبغي إلى حدّ أنها فقدت شيئاً من معناها, فالمعلومة لم تعد تُكتسب بجهد بل تُلتقط بسرعة، والفكرة لم تعد تُبنى في الداخل، بل تُستهلك على السطح، والإجابة لم تعد نهاية رحلة، بل بداية شعورٍ زائف بالاكتفاء.

ومن هنا، لا نكون أمام جيلٍ يجهل بقدر ما نكون أمام جيلٍ يملك يقيناً سريعاً بلا جذور. إنهم يعرفون الكثير، لكنهم لم يعيشوا ما يعرفونه، ولم يمرّوا بذلك التعب الصامت الذي يمنح الفهم عمقه، ولا بذلك الشك الذي يعيد ترتيب العقل ويهذّبه. نحن كنّا نُرهق عقولنا لنفهم، أما هم فتصلهم الإجابة قبل أن تتكوّن في داخلهم الحاجة الحقيقية إليها، فينشأ وعيٌ قادر على الرد، لكنه أقل قدرة على التأمل، سريع في الحكم، لكنه متردد في الفهم العميق.

 

ويظهر هذا الخلل في تفاصيل يومية صغيرة، لكنها دالّة في رأيٍ يُقال بثقة قبل اكتمال الفكرة، وفي حكمٍ يُطلق دون استيعاب السياق، وفي نقاشٍ ينتهي قبل أن يبدأ، لأن كل طرف يظن أنه يملك الحقيقة كاملة. وهنا تكمن المفارقة: لم تعد المشكلة في غياب المعلومة، بل في غياب المسافة بين المعلومة والفهم، تلك المسافة التي لا تُختصر، لأنها وحدها القادرة على تحويل المعرفة من شيءٍ نمتلكه إلى شيءٍ يُشكّلنا.

 

وفي التجربة العملية، تتضح هذه الفجوة أكثر فكم من شخصٍ ظنّ أنه يفهم لأنه قرأ أو سمع، ثم اكتشف عند أول اختبار حقيقي أن ما يملكه لم يكن كافياً ليحميه أو يرشده. لم يكن ينقصه الذكاء، ولا الوصول إلى المعلومة، بل كان ينقصه ذلك العمق الذي لا يُبنى إلا بالتجربة، وبالتردد، وبالاعتراف بأن الفهم يحتاج إلى وقت.

ومع ذلك فإن هذا الجيل لا يمكن تحميله وحده مسؤولية ضياع العمق فالعالم الذي وُلد فيه سريع، مليء بالمعلومات، ويكافئ السرعة على الدوام، ولم يمنحه فرصة ليجرب الصبر الحقيقي أو يختبر التدرج في الفهم. لكنّي أذكّر نفسي دائماً بحكاية من حياة أحد العلماء الكبار: حين كان ألبرت أينشتاين شاباً، كان يقضي ساعات طويلة أمام دفتره، لا يجد جواباً، يكتب ويشطب ويعيد المحاولة، وفي كل مرة كان يشعر بالاحباط، لكنه لم يستسلم. لم يكن هدفه أن يبدو ذكياً أمام الآخرين، بل أن يفهم شيئاً واحداً بعمق. ذلك التفاني الصبور هو ما منح فكره أصالة، وفهمه قوة، وجعله اسماً يلمع في التاريخ.

ومن هذا المنظور، يمكن للجيل الحالي أن يستفيد بطريقة عملية: أن يجد لنفسه لحظة يومية، صغيرة، للعمل مع معرفته، حتى لو كانت خمس عشرة دقيقة للتفكير بهدوء في فكرة قرأها، أو لتجربة مهارة جديدة، أو للكتابة عن تجربة عاشها. هذه اللحظات، على بساطتها، تصنع فارقاً هائلاً بين من يعرف معلومات، ومن يصنع من المعرفة حكمة.

السرعة والتكنولوجيا هبةٌ جميلة اختصرت الطريق وخفّفت العناء، غير أنّ جوهر الإنسان يبقى في صبره وتأمّله وقدرته على أن يصنع لنفسه هويةً تشبهه  وحين يهدأ هذا الجيل لحظةً مع ذاته، سيكتشف أن قيمته الحقيقية تنبع من داخله، لا مما يمليه عليه عصره ولا ما يلمع في عابِرِ الترند.

 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com