ماما… لن نخاف بعد اليوم، أليس كذلك؟
بقلم :الصحفية يانا العلي
لم نغادر أوطاننا بحثاً عن رفاهية، ولا طمعاً في حياة مترفة، بل خرجنا منها هرباً من الخوف. جئنا من بلادٍ أنهكتها الحروب والأزمات، وعشنا تفاصيلها لحظةً بلحظة؛ لم تكن نشرات الأخبار بالنسبة لنا أرقاماً عابرة، بل كانت وجوهاً نعرفها، وبيوتاً تشبه بيوتنا، وأصواتاً تسكن ذاكرتنا حتى اليوم.
كنت اودّع أهلي وأطفالي عند باب المنزل وكأنني اكتب وصايا صامتة. لم يكن الوداع اعتيادياً، بل كان محمّلاً باحتمال الغياب. كنت أخرج من منزلي ولا أعلم إن كنت سأعود إليه سالمة أم سأكون رقماً جديداً في قائمة طويلة من الراحلين للأبد. ذلك الشعور بأن الحياة قد تنتهي في لحظة، دون إنذار، كان يرافقنا في تفاصيل يومنا الصغيرة.
كنت أُرسل أطفالي إلى الروضة وأرفع كفّي بالدعاء أن يحفظهم الله ويرجعهم سالمين. لم يكن الخوف مبالغاً فيه، بل كان واقعاً نعيشه؛ كنا نجلس في بيوتنا مترقّبين، نخشى قذيفةً أو صاروخاً قد يقتحم جدران البيت قبل أن يقتحم أرواحنا. تعلّمنا، رغماً عنا، التمييز بين أصوات الطائرات، ومعرفة أنواع الصواريخ من شدّة تكرارها. صار الصوت وحده كافياً ليخبرنا بحجمه، بمداه، وبما قد يخلّفه من دمار.
ثم جاء القرار الأصعب: ترك الوطن. لم يكن رحيلاً سهلاً، بل كان اقتلاعاً من جذورٍ ممتدة في القلب. تركتُ خلفي شوارع أعرفها، وجيراناً يشبهون العائلة، وذكرياتٍ مغموسة بالوجع والخوف معاً. حملت معي حقيبة صغيرة، لكنها كانت أثقل من أن تُحمل؛ مليئة بصور الماضي، وبأصواتٍ لا تغيب.
حين وصلت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، شعرت وكأن الزمن عاد بي إلى بلادي قبل سنوات الحرب، لكن في مكانٍ آخر. وجدت ملامح الطمأنينة التي افتقدناها طويلاً، ورأيت في تفاصيل الحياة اليومية ما يشبه الحلم. مع الوقت، بدأت أستعيد نفسي، وتعلمت من جديد معنى أن تعيش يومك دون أن تترقّب انفجاراً أو خبراً عاجلاً.
نسيت شيئاً فشيئاً ماذا يعني الخوف. نسيت صوت الطائرات، ولم أعد أفرّق بين أنواع الصواريخ، لأنني لم أعد مضطرة لذلك. عشت الأمان الحقيقي بكل معانيه؛ أمان الطريق، وأمان العائلة، وأمان النوم دون قلق. كان أطفالي يسألونني أول فترة:“ماما، لن نخاف بعد اليوم، أليس كذلك؟ ولن تقلقي علينا بعد الآن؟”
كنت أجيبهم بثقةٍ لم أعرفها من قبل: نعم، نحن في واحدة من أجمل بقاع الأرض وأكثرها أماناً”
هذا الشعور لم يكن وهماً أو مبالغة، بل تجربة عشناها يوماً بعد يوم. حتى يومنا هذا ، فبالرغم من التوترات التي تشهدها المنطقة ،وبعض الأصوات العابرة، لكن لم يتسلل الخوف إلى قلبي. ثقتي المطلقة بهذه الأرض الطيبة وقيادتها الحكيمة أكبر من أي قلق عابر. الإيمان بالتروي في اتخاذ القرارات، وبأن سلامة الإنسان—مواطناً كان أم مقيماً أو حتى زائراً—تأتي في مقدمة الأولويات، كان هذا كفيلاً بأن يمنحني شعوراً عميقاً بالقوة والطمئنينة.
في الإمارات، وجدت احترام الإنسان كقيمة عليا، واليوم بالتحديد في طل هذه الظروف العابرة بإذن الله، لمست اهتماماً حقيقياً بالتفاصيل التي تخص أمن وسلامة البشر وتفاصيل كثيرة حتى بما يخص كيف نتعامل مع أطفالنا في لحظات الخوف -بغض النظر عن الخبرة العملية التي اكتسبناها رغماً عنا في سنوات الحرب في بلادنا ،وبالدافع الغريزي الذي يجعلنا نتخذ إجراءات الحماية-، هذا الاهتمام يجعلك تشعر أن الدولة تقف خلفك، تحيطك برعايتها، وتمنحك ثقة لا تهتز بسهولة. شعورٌ يجعلك مطمئناً حتى لو مرّ القلق قريباً منك، لأنك تدرك أن هناك منظومة متكاملة تعمل من أجل سلامتك.
اليوم، حين أنظر إلى أطفالي وهم نائمون بسكينة وسلام ، أدرك أن الأمان ليس رفاهية، بل نعمة عظيمة. وأفهم أن الوطن ليس فقط المكان الذي وُلدنا فيه، بل هو أيضاً الأرض التي تمنحنا الحياة بكرامة وطمأنينة.
جئنا نحمل خوفاً كبيراً فوجدنا قلوباً مفتوحة وسماءً آمنة. وبين ألم الرحيل ونعمة الوصول، تعلّمت أن الأوطان قد تتعدد، لكن الشعور بالأمان هو من يحسم… ونعمة السلام والأمان لن نخاف فقدها اليوم في الإمارات الحبيبة مادامنا متحدين متحابين مقيم ومواطن و زائر عابر ..من يولي سلامك وأمانك أولوية ،حتماً له مكانة ثابتة في القلب والضمير والعمل ،ورد الجميل سيكون واجب بكل محبة.



(
(






