بقلم: محمد عبدالمجيد علي
رئيس التحرير
في السنوات الأخيرة، أصبح واضحًا لدى شريحة كبيرة من الجمهور المصري وجود حالة من الإسفاف والابتذال في عدد من المسلسلات والإعلانات المعروضة على الشاشات والمنصات المختلفة، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول الرسالة التي يتم تصديرها عن المجتمع المصري، وحول الصورة التي تُرسم عن مصر والمصريين في الداخل والخارج.
إن الدراما كانت – ولا تزال – واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة في مصر، وكانت في فترات طويلة تعكس القيم الحقيقية للمجتمع، وتتناول قضاياه بعمق واحترام، وتُبرز ملامح الإنسان المصري الأصيل: في أخلاقه، وشهامته، وصبره، وقدرته على مواجهة التحديات.
لكن المؤسف أن بعض الأعمال في الفترة الأخيرة اتجهت إلى طريق مختلف، يقوم في معظمه على المبالغة في عرض مشاهد العنف، والبلطجة، والمخدرات، واللغة السوقية، والإيحاءات غير اللائقة، حتى أصبح المشاهد يشعر وكأن الشارع المصري لا يعرف سوى هذه الصور المشوهة.
من غير المنطقي أن يتم اختزال مجتمع كامل في نماذج منحرفة أو مشاهد فوضوية.
المجتمع المصري يضم ملايين النماذج المشرفة من الأطباء، والمعلمين، والعمال، والمهندسين، والطلاب، والأمهات المكافحات، والشباب الطموح، ولكن للأسف نادرًا ما نجد هذه الصور حاضرة في بعض الأعمال الحديثة بنفس القوة والحضور.
إن التركيز المستمر على الجانب المظلم فقط، دون تقديم صورة متوازنة، يخلق انطباعًا زائفًا لدى المشاهد العربي والأجنبي بأن هذا هو الشكل الحقيقي لمصر، وهو أمر لا يعكس الواقع ولا ينصف هذا الشعب.
الإعلانات.. عندما تتحول إلى إسفاف صريح
الأخطر من ذلك، أن بعض الإعلانات التجارية لم تعد تلتزم بالحد الأدنى من الذوق العام، فأصبحت تعتمد على ألفاظ غير مناسبة، أو إيحاءات، أو مشاهد لا تتفق مع ثقافة الأسرة المصرية.
الإعلان من المفترض أن يكون رسالة تسويقية ذكية ومحترمة، لا وسيلة لجذب الانتباه بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب القيم أو الذوق أو صورة المجتمع.
الدراما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي أداة مؤثرة في تشكيل الوعي المجتمعي، خصوصًا لدى الأطفال والمراهقين.
عندما يشاهد الجيل الجديد نماذج النجاح في الأعمال الدرامية مرتبطة بالبلطجة أو التجارة غير المشروعة أو الانحراف، فإن الرسالة التي تصل إليه تكون خطيرة للغاية، حتى وإن لم تكن مقصودة.
فالعمل الفني، سواء أراد أم لم يرد، يصنع قدوة، ويؤثر في طريقة التفكير والسلوك.
أين الدور الحقيقي للجهات المسؤولة عن تنظيم ومراقبة المحتوى؟
يأتي في مقدمة هذه الجهات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وهو الجهة المنوط بها ضبط المشهد الإعلامي، وحماية المجتمع من المحتوى المخالف للقيم أو الذي يسيء لصورة الدولة والمجتمع.
كما يقع على عاتق الهيئة الوطنية للإعلام مسؤولية كبرى في دعم المحتوى الجاد، والهادف، والمتوازن.
ولا يمكن تجاهل دور شركات الإنتاج الكبرى، وعلى رأسها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التي تمتلك تأثيرًا واسعًا على شكل ونوعية الأعمال المعروضة، ولديها القدرة الحقيقية على إعادة توجيه البوصلة نحو أعمال أكثر احترامًا للمجتمع وأكثر تعبيرًا عن واقعه الحقيقي.
من المهم التأكيد أن المطالبة بمحتوى محترم لا تعني تقييد حرية الإبداع أو العودة إلى الرقابة الخانقة، بل تعني ببساطة إيجاد توازن حقيقي بين حرية التعبير وبين مسؤولية الكلمة والصورة.
الفن يستطيع مناقشة القضايا الصعبة مثل الفقر والجريمة والإدمان والانحراف، ولكن بأسلوب واعٍ ومسؤول، يوضح المشكلة ويحللها ويعرض نتائجها، لا أن يروج لها أو يجعلها الشكل السائد والطبيعي في المجتمع.
سادسًا: تشويه سمات المصريين خطر على صورة الدولة
تشويه سمات المصريين لا يقتصر أثره على الداخل فقط، بل يمتد إلى الخارج، حيث أصبحت المنصات الرقمية تنقل هذه الأعمال إلى العالم كله.
وعندما يشاهد المتلقي غير المصري هذه النماذج بشكل متكرر، تتكون لديه صورة ذهنية غير عادلة عن الإنسان المصري، وكأن العشوائية والعنف والانحراف هي الصفات الغالبة عليه.
وهذا يمثل خطرًا حقيقيًا على صورة مصر الثقافية والحضارية، التي بُنيت عبر مئات السنين من التاريخ والفكر والفن والاعتدال.
نحن لا نحتاج إلى منع الفن، بل نحتاج إلى:
تشجيع كتاب الدراما على تقديم نماذج إنسانية حقيقية من قلب المجتمع.
دعم الأعمال التي تعالج القضايا الاجتماعية بعمق واحترام.
وضع معايير واضحة للإعلانات، تحترم الأسرة المصرية والذوق العام.
فتح حوار جاد بين صناع الدراما والجهات المنظمة والجمهور.
إن الإسفاف في بعض المسلسلات والإعلانات المصرية خلال الفترة الأخيرة ليس مجرد مشكلة فنية، بل قضية مجتمعية تمس صورة مصر، وتمس وعي الأجيال القادمة، وتمس مكانة الفن المصري التي طالما كانت رائدة في العالم العربي.
مصر تستحق دراما تليق بتاريخها، وشعبها يستحق أن يرى نفسه على الشاشة بصورة حقيقية، متوازنة، ومشرفة… لا صورة مشوهة تختزل المجتمع في مشاهد الفوضى والانحراف فقط.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه جميعًا اليوم: هل نريد فنًا يعيش على الصدمة والضجيج المؤقت، أم فنًا يبني وعيًا ويصنع قيمة ويبقى أثره في وجدان الناس لسنوات طويلة؟



(
(






