|  آخر تحديث فبراير 13, 2026 , 22:13 م

الإفلاس المعرفي


الإفلاس المعرفي



 

بقلم: شيرين فريد

 

 

عزيزي القارئ ليست كل أشكال الإفلاس تُقاس بالمال، فهناك نوعٌ أشدُّ خطورةً وأعمق أثرًا… إنه الإفلاس المعرفي.

الإفلاس المعرفي ليس نظرية أكاديمية بقدر ما هو حالة إنسانية نعيشها حين نتحدّث أكثر مما نقرأ، ونُحلّل أكثر مما نعرف، ونُصدر الأحكام قبل أن نُحسن الفهم. هو أن يكون لدينا شغفٌ بالظهور، وحبٌّ للحضور الإعلامي، وحرصٌ على التواجد في المحافل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفنية، بينما رصيدنا الحقيقي من المعرفة محدود، بل أحيانًا شبه فارغ.

نقف أمام الكاميرات، نجلس في الندوات، نناقش في المجالس، ونتصدّر الحوارات… لكن حين يُسأل السؤال العميق، أو يُفتح ملف التاريخ الثقافي أو الفني، يتكشف الفراغ. لا لأننا غير قادرين، بل لأننا لم نمنح أنفسنا وقت التعلّم، ولم نُراكم معرفة حقيقية تقوم على قراءة وبحث واطلاع.

 

الإفلاس المعرفي يظهر حين نتحدث في قضايا لا نحيط بها، ونخوض في مناقشات تتجاوز خبرتنا، ونتبنّى آراء لم نُجهد أنفسنا في تمحيصها. نظن أن الثقة في الصوت تعوّض نقص المعلومة، وأن الحضور الاجتماعي يعوّض ضعف التأسيس الثقافي.

وقد نقيس على ذلك كثيرًا من أمور حياتنا؛ في التربية، في الفن، في الاقتصاد، في التاريخ، وحتى في العلاقات الإنسانية. نتجادل، نختلف، نصنّف، نُقيّم… بينما المعرفة الحقيقية غائبة، أو سطحية، أو منقولة بلا وعي.

المشكلة ليست في أن نجهل، فالجهل بداية كل معرفة. المشكلة أن نجهل ولا نعترف، وأن نفتقر ولا نبحث، وأن نفرّ من القراءة إلى المنصّة.

المعرفة لا تُمنح بالتصفيق، ولا تُقاس بعدد الصور المنشورة، ولا بعدد الدعوات الرسمية. المعرفة تُبنى بصمت، بتراكم، بتواضع أمام الحقيقة، وبإيمان أن التعلّم رحلة لا تنتهي.

فهل نملك الشجاعة أن نسأل أنفسنا: هل نحن حقًا نعرف… أم أننا فقط نجيد؟!


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com