|  آخر تحديث ديسمبر 6, 2025 , 1:23 ص

من سيخلف فلاديمير بوتين في حُكم روسيا؟


من سيخلف فلاديمير بوتين في حُكم روسيا؟



– من سيخلف بوتين ؟ :

من المُسلّم به أن ليونيد إيليتش بريجنين( Леонид Ильич ) ، الذي قاد الإتحاد السوفييتي من عام 1964 إلى عام 1982 ، لفترة تقارب 18 عاماً – هو الوحيد الذي تولى الحكم لفترة أطول من أي زعيم آخر . لكن فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين ( Владимир Владимирович Путин ) تفوق على بريجنيف، امتد حكمه لروسيا في أوقات عصيبة . في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 بلغ بوتين 73 عاما ، قد يبدو هذا العمر متقدماً جدا على العمل المكثف للرئاسة ، لكن انتقال السلطة ليس بعملية سهلة ، بل ينطوي على مسؤولية كبيرة ، لقد أمضت نخبة الكرملين سنوات في صقل تقنيات إجراء الانتخابات الرئاسية، وقد نجحت، بناء على النتائج، لذا من الناحية التكنولوجية، يمتلك الكرملين القدرة على انتخاب رئيس جديد لروسيا من خلال حملة ” الخليفة ” ، لكن السؤال المطروح هو مدى استعداد بوتين للتنحي ومن هو المرشح لخلافته؟

قبل مناقشة خليفة بوتين المُرجّح، ربما يجدر طرح سؤال أعم : هل لديه خليفة أصلاً ؟ يحظى الرأي القائل بأن بوتين ينوي البقاء رئيساً حتى وفاته بشعبية كبيرة بين بعض المراقبين الروس والغربيين للقوة الروسية ، أجد صعوبة في الموافقة على هذا الرأي لعدة أسباب :

– أولاً : يدرك بوتين ، على عكس أي شخص آخر، بنية نظامه ، حيث تقسم السلطة بين عدة مجموعات مؤثرة من أصدقائه وزملائه في المخابرات السوفيتيية(КГБ ) وزملاءه في رياضة الجودو . وطوال 25 عاما من حكمه ، تقاتلت هذه المجموعات فيما بينها من أجل مناطق النفوذ والموارد ، والأهم من ذلك ، من أجل التقرب من بوتين نفسه ، الذي كان بمثابة الحكم في صراعاتها، نقطة الضعف الرئيسية في هذا النموذج الحكومي تكمن في اعتماده على حياة بوتين: فإذا مات بوتين أو حتى ضعف بشكل ملحوظ، كلما تقدم به العمر وأجّل انتقال السلطة ، زاد خطر محاولة إحدى الفصائل الاستيلاء على السلطة قبل غيرها ، أعتقد أن بوتين يدرك هذا جيدا ، ولا يريد تكرار تمرد (بريغوجين ) .

– ثانيا: يبدو سيناريو الخلافة هو الأكثر ترجيحا، لأن هذا إجراء مفهوم و طبيعي لنقل السلطة بالنسبة لبوتين : فقد مر بنفسه بهذه التجربة في عام 2000 ، و بطبيعة الحال ، يعتبر هذه التجربة ناجحة.

– ثالثا : يشعر بوتين نفسه بالفعل بضيق في كرسي الرئاسة ، فقد دأبت دعايته والكنيسة وحاشيته وغيرهم من الخدم على إخباره طوال هذه السنوات بأنه ليس مجرد رئيس ، بل هو أب الأمة ، بمهمة مقدسة لإنقاذ روسيا واستعادة عظمتها السابقة .

– في الولايات المتحدة، يُمثّل رئيس الدولة دائما صوت النخبة ، أما الإرادة الشخصية لرئيس البيت الأبيض فلا تؤثر تقريبا . أما في روسيا، فالوضع مختلف ، يعتمد مصير البلاد ومسارها على القائد الوطني ، كان هذا هو الحال في الحقبة القيصرية، وفي الإتحاد السوفييتي، واليوم ، ومن هنا يأتي القلق : من الذي أعدّه القائد ليخلفه؟ من سيصل إلى الكرملين بعد بوتين ؟
– في أوروبا والولايات المتحدة، يمكن تغيير الرؤساء بسهولة كل أربع سنوات، فلا شيء يعتمد عليهم على أي حال ، أما في روسيا، فكل قائد جديد يحمل معه منظوره الخاص ، و موقفه الخاص ، ومساره الخاص ، من المستحيل اجتياز هذا المسار مع البلاد وتنفيذ استراتيجية في ست سنوات فقط .

 

في الثالثة والسبعين من عمره ، يدخل بوتين مرحلة النضج بعد هيمنته على السياسة الروسية لمدة 25 عاماً ، أظهر أكثر من 40 خبيرا روسيا استطلاع رأي أجرته إذاعة أوروبا الحرة / راديو الحرية ( RFE/RL ) في يوليو 2024 ، شمل أن 40% يعتقدون أن بوتين سيبقى في السلطة حتى وفاته ، بينما يتوقع 23% انقلابا ملكيا ، ويعتقد 3% فقط من الخبراء أن بوتين سيغادر السطة طواعية ، ولكن بغض النظر عن كيفية حدوث ذلك ، هناك العديد من البدائل التي قد تحل محل بوتين في رئاسة الإتحاد الروسي. وفي الحقيقة أن بوتين نفسه ” يدرس بإستمرار وجود خلفاء محتملين ، وقد أكد أن لديه قائمة مرشحين ، وللأسف، لم يكشف بوتين عن أي أسماء في قائمته ” .

 

1- ميخائيل ميشوستين: Михаил Мишустин :

سيكون رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين خيارا منطقيا للخليفة ، وليس فقط لأنه سيصبح الرئيس المؤقت إذا تنحى بوتين قبل إنتهاء ولايته، كما اعتبر خبراء روسيا ميشوستين أيضا خليفة بوتين الأكثر احتمالا في استطلاع ( RFE/RL) ، أمضى ميشوستين، وهو خبير اقتصادي مدرب ، عقدا من الزمان رئيسا لمكتب الضرائب في البلاد قبل تعيينه رئيسا للوزراء في عام 2020 ، كان ميشوستين صامتا بشأن حرب أوكرانيا، وركز بشكل كبير على احتواء تداعيات العقوبات الغربية المفروضة على روسيا منذ بدء حرب فبراير 2022 ، ولكن ورد أنه عارض قرار بوتين بالغزو.

 

2- سيرجي سوبيانين Сергей Собянин :

لطالما كان سيرجي سوبيانين عمدة موسكو المخضرم خليفة بالشائعات، وكان ثاني أكثر الخيارات شعبية بين الخبراء في استطلاع الرأي ، وُلد سوبيانين، البالغ من العمر 66 عاما ، في منطقة تيومين الروسية، وقبل أن ينطلق في مسيرة سياسة الإتحاد السوفييتي في ثمانينات القرن الماضي، عمل في مصنع للأنابيب المعدنية ، سوبيانين، حاكم إقليمي سابق شغل أيضا منصب نائب رئيس وزراء روسيا بين عامي 2008 و 2010 ، هو حليف مقرب من بوتين وعضو في حزبه السياسي ” روسيا المتحدة ” . وقد ساعده في صعوده إلى الشهرة ” قدرته على الإلتزام بأي خطوط يضعها بوتين في الجوانب الرئيسية للسياسات الداخلية لروسيا، مع التزام الصمت حيال بعض السياسات الخارجية المعقدة لروسيا، وفقا لأولغا كيان ، ما يجعله من أبرز المرشحين لقيادة روسيا بعد بوتين، هو نجاحه في الحفاظ على سير الأمور في العاصمة الروسية بسلاسة في ظل الإحتجاجات الجماهيرية المعارضة، وجائحة كوفيد الكارثية، والهجمات الأوكرانية المتظمة بدون طيار .

 

3- ديمتري ميدفيديف Дмитрий Медведь:

شغل ميدفيديف البالغ من العمر 59 عاما ، منصب رئيس روسيا لأربع سنوات من عام 2008 إلى عام 2012 قبل أن يتنحى لصالح بوتين فيما تم الكشف عنه لاحقا على أنه إتفاق تم الترتيب له مسبقا. يُعدّ هذا الرجل ، المولود في لينينغراد وأستاذ القانون السابق ، ربما أقدم حليف لبوتين، وقد قبل دور رئيس الوزراء التابع من عام 2012 إلى عام 2020 ، وقد استخدم ميدفيديف، الذي يشغل الان منصب نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، لهجة عدوانية بشأن الحرب في أوكرانيا، وقد قال مؤخرا لوكالات الأنباء الروسية، ” سيستمر هذا الصراع لفترة طويلة جدا، لعقود على الأرجح ” . كما هدد بشن ضربة نووية استباقية إذا حاولت أوكرانيا الحصول على مخزونها النووي، ومع ذلك، لا تزال هناك تساؤلات حول ما إذا كان بأمكان شخص كان خاضعا لبوتين لفترة طويلة الاستيلاء على السلطة أو ترسيخها ” .

 

4- سيرجي كيرينكو Сергей Кириенко :

النائب الأول لرئيس أركان بوتين، البالغ من العمر 62 عاما ، رجل متعدد المواهب وقد كُلّف مؤخرا بإدارة الاستفتاءات الصورية في المناطق التي استولت عليها روسيا من أوكرانيا عام 2022 . في التسعينيات، عُرف كيرينكو بأنه مصلح ليبرالي، لدرجة أن الرئيس آنذاك بوريس يلتسن جعله أصغر رئيس وزراء في تاريخ البلاد عام 1998 . لكن فترة ولاية كيرينكو تزامنت مع أسوأ أزمة مالية شهدتها البلاد بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، واضطر إلى التنحي بعد أربعة أشهر. خلال فترة ولايته القصيرة ، اتخذ كيرينكو القرار بتعيين بوتين رئيسا لجهاز الأمن الفيدرالي.

 

 

5- نيكولاي باتروشيف Николай Патрушев:
كان باتروشيف أمينا لمجلس الأمن الروسي حتى مايو 2024 . وكان أيضا من أبرز مؤيدي فكرة وجود مؤامرة غريبة لإضعاف أو ربما تفكيك الإتحاد الروسي. يعرف الرجل البالغ من العمر 74 بوتين منذ أن عملا معا في جهاز المخابرات السوفيتيية КГБ ، وأصبح استراتيجيا بارزا في غزو أوكرانيا عامي 2014 و 2022 .

 

6- أليكسي ديومين Алексей Дёмин:
صقل ديومين 52 عاما مهاراته كحارس شخصي لبوتين في التسعينيات قبل أن يصعد للعب أدوار مختلفة داخل الدولة ، بما في ذلك مدير مكتب الاستخبارات العسكرية ، وحاكم منطقة تولا ، وأمين مجلس الدولة . كان لديومين دور فعال في إخراج الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش من البلاد في عام 2014 ، ثم خدم كقائد للقوات الخاصة في العملية الناجحة للاستيلاء على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا بعد انتفاضة مؤيدة للديمقراطية، كان ديومين نائبا لوزير الدفاع سيرجي شويغو ، إن صعود ديومين إلى السلطة هو رمز لكيفية عمل بوتين وتحديد الخلفاء ثم نقلهم من منصب سلطة إلى آخر داخل الدولة الروسية.

 

– إمكانيات أخرى :

قبل اغتياله عام 2023 ، كان زعيم مرتزقة فاغنر يفغيني بريغوجين يُعتبر أيضا خليفة محتملا ، ولكن في روسيا بوتين من الخطير أن يُنظر إليه على أنه طموح للغاية . أحد الأسماء التي قفزت إلى قمة قائمة الخلفاء المحتملين هو ” أندريه بيلوسوف ” الذي تم تعيينه وزيرا جديدا للدفاع في روسيا في مايو 2024 ، كان بيلوسوف البالغ من العمر 66 عاما ، وهو خبير اقتصادي من حيث التدريب ، نائبا أول لرئيس الوزراء من عام 2021 حتى تم تعيينه وزيرا للدفاع ، ومن المرجح أن يواصل بيلوسوف وهو حليف اخر لبوتين معظم سياسات بوتين داخل روسيا وخارجها.
ولم يحصل سيرجي شويغو على أي أصوات في الاستطلاع لخلفاء بوتين على الرغم من تعيينه أمينا لمجلس الأمن في الإتحاد الروسي. وهناك أيضا ” ديمتري كوزاك ” البالغ من العمر 66 عاما ، نائب رئيس الوزراء السابق ، ونائب رئيس موظفي الكرملين حاليا ، والذي ورد أنه توصل إلى إتفاق مع أوكرانيا قبل الحرب والذي رفضه بوتين.

 

 ختاماً :
في الحقيقة يمتلك ديومين كثيرا من الخبرات والتجارب التي تؤهله ليكون رئيس روسيا المقبل ، فهو حاصل على عشرات الجوائز الرفيعة ومن بينها وساما ” الاستحقاق للوطن ” من الدرجة الثانية والرابعة و ” وسام الشجاعة ” ولقب ” بطل روسيا ” ، وبعد ترؤسه مجلس الدولة صار المجلس إلى جانب ” مجلس الأمن ” في الإتحاد الروسي أهم هيئة دستورية يناقش من خلالها تطوير القرارات الحكومية.

 

زعم العديد من المتنبئين أن فلاديمير بوتين سيستقيل فجأة بعد الحرب ، مشيرين إلى صحته ، لكن هذا السيناريو قد لا يحدث . بوتين سياسي ذو خبرة واسعة ، ومن المرجح أن يستمر في منصبه حتى نهاية ولايته القادمة ، التي تمتد لست سنوات، في 7 مايو / أيار 2030 ، حيث سيبلغ من العمر 78 عاما تقريبا ، وللتذكير، يبلغ دونالد ترامب حاليا 78 عاما وهو يتمتع بالحيوية والنشاط.
لا يسمح المرء إلا أن يفترض أن فلاديمير بوتين كان قلقا جديا منذ فترة طويلة بشأن مرشح جديد لرئاسة الإتحاد الروسي، قادر على إدارة شؤون بلد شاسع كهذا بكفاءة وفعالية على المدى الطويل . آمل أن تمر روسيا بهذه المرحلة بهدو وسلام ، وأن تمضي قدما في مسارها التاريخي المرسوم لها بخطى ثابتة و واثقة، متخلصة من فتات أعدائها.

 

 

 

بقلم : فاتن الحوسني
ماجستير في الشؤون الدولية
باحثة وكاتبة في الشؤون الدولية


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com