الدبلوماسية الحقة هي لطافة اللطافة ، أعني ممارسة السلوك الشعبي و الرسمي بأرق التعاملات و أعذب الكلمات ، قرأت الكتب الأجنبية فوجدت فيها خارطة طريق لحسن تأدية الأفعال و الأقوال التي تجعل القارئ الممارس بالفعل شخصا فذا ، و لكن … :
قواصد كافور توارك غيره / و من قصد البحر استقل السواقيا
المتنبي يجعل الممدوح موردا للماء العذب ، بل بحرا زاخرا بأمواج الكرم التي تصغر أمامها السواقي الصغيرة …
سيدنا محمد الحساس ، سيدنا محمد النزيه ، سيدنا محمد صاحب القلب المقدس ، لجأ إليه المختلفون جميعهم على تباين آرائهم ، قبل التعارك بدقائق ، رضي الجميع بحكمه العادل ، أمر بوضع الحجر الأسود على رداء تحمله كل قبيلة من طرفها ، و مع أن هذا كان قبل بعثته الشريفة ، إلا أن هذه الحادثة قد تعد من بواكير النبوة : ( الثقة المطلقة بصاحب المصداقية المطلقة ) و هذا لعمري فحوى العمل الدبلوماسي .
بإمكاني الآن عرض عشرات المواقف عبر عشرات الأسطر و الصفحات عن تفاصيل المرونة الفكرية الفذة التي طبقها هذا النبي المرن المفكر الفذ عليه الصلاة و السلام ، لكن الهدف ليس استعراض مجريات الأحلاف السياسية ( حلف الفضول ) ، و لا معاهدات الصلح ( صلح الحديبية ) ، و لا الثبات على المبدأ ( بدر ) و لا انتصار الإصرار ( أحد ) و لا قوة عقيدة الإيمان بالغيب ( الخندق ) ، ليس الهدف استعراض عظائم الأخلاق المحبوبة المشهورة ، الهدف هو ( عصرية ) هذه الممارسات الدبلوماسية ، قصدي صلاحيتها لكل عصر ، بل قدرتها على إصلاح كل عصر و كل مصر …
نصيحتي لكل أساتذتي و طلابي في الحقل الدبلوماسي ، تعرفوا جيدا على مدارس السلوك الغربية ، أتقنوها بلغاتها الأجنبية و بترجماتها المختلفة ، لكن قبل كل هذا اعلموا أن ( سيد البشر هو أولا من جاء بالدرر ) .
ادرسوا مبادئ الدبلوماسية المحمدية : الصدق و الأمانة ، الحوار السلمي ، بناء العلاقات ، الوضوح و الإيجاز ، ادرسوا تطبيقات النظريات : حلف الفضول ، هجرة المسلمين إلى الحبشة ، بيعتي العقبة ، دستور المدينة ، المراسلات مع الملوك ، صلح الحديبية ، تأسيس نظام دولي ، ترسيخ مبدأ العالمية …
مهما قرأت و مهما كتبت ، و إن حصلت على شهادات من أرقى الجامعات ، كل هذا لن يغني عن الخصلتين المركزيتين المفيدتين في الدنيا و في الآخرة ، في الخارجية و في الداخلية : الصدق و الأمانة
إن حدثك الدبلوماسي المسلم فهو صادق
و إن تعامل معك فهو أمين
تأمن جانبه ، كل المعلومات الواردة منه ذات موثوقية عالية جدا ، و هكذا ترتاح بالتعامل معه و تبني معه جسورا مستدامة ، بعيدا عن غيره من غير الصادقين و غير الأمناء
إن جوهر مهنة الدبلوماسية لا يقوم إلا على هذين الأسين فقط : الصدق و الأمانة
ما فائدة توقيع معاهدة رسمية مع دولة قوية غير ذات مصداقية ؟
ما جدوى التحالف مع قوى ضخمة إن لم تكن هذه القوى مؤتمنة على موارد البلاد ؟
صلوا و سلموا و تعلموا من الصادق الأمين ، القائد الأمثل الذي مارس المفاهيم الأخلاقية مع المسلمين و المؤمنين و المحسنين و الكفار و المنافقين و المشركين على حد سواء عليه الصلاة و السلام
صلوا و سلموا على القائد العظيم الذي ما كذب قط لا جادا و لا مازحا ، لا شابا و لا كهلا ، لا مع الرجال و لا مع النساء و لا مع الأطفال عليه الصلاة و السلام
صلوا و سلموا على من وضع أعداؤه أماناتهم عنده لشدة نزاهته عليه الصلاة والسلام
بقلم: د. أحمد طقش



(
(





