|  آخر تحديث فبراير 2, 2021 , 16:23 م

تحديات عديدة واجهت مسبار الأمل طوال 7 سنوات حولتها عقول وسواعد أبناء وبنات الإمارات إلى دروس أمل للبشرية


تحديات عديدة واجهت مسبار الأمل طوال 7 سنوات حولتها عقول وسواعد أبناء وبنات الإمارات إلى دروس أمل للبشرية



مع اقتراب مسبار الأمل من الوصول إلى مدار المريخ، أوشك حلم نجاح أول مهمة فضائية تقودها دولة عربية لاستكشاف الكواكب أن يتحول إلى حقيقة وواقع ملموس، لتصبح الإمارات خامس دولة في العالم تحقق هذا الإنجاز التاريخي، ورغم تمكن المسبار من تخطي العديد من التحديات إلا أن المراحل القادمة من مهمته التاريخية تعد الأصعب والأكثر خطورة.

ومنذ بدايته كمجرد فكرة طُرحت في الخلوة الحكومية التي عقدتها حكومة دولة الإمارات نهاية عام 2013  في جزيرة صير بني ياس،  ضمن أفكار أخرى للاحتفال بطريقة مميزة باليوم الوطني الخمسين في 2021، مر مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ “مسبار الأمل” بالعديد من التحديات والمخاطر والمصاعب، وشهد أيضاً مسيرة حافلة من الإنجازات النوعية التي تمكن من خلالها فريق العمل من تحويل التحديات إلى محطات نجاح تضاف إلى سجل حافل بالإنجازات سطره أبناء وبنات دولة الإمارات من الكوادر الوطنية الشابة العاملة بالمشروع بحروف من نور في كتب التاريخ.

ورغم هذه المسيرة الحافلة التي مر بها مسبار الأمل طوال 7 سنوات متواصلة من تخطي الصعاب والتحديات وتحويل المستحيل إلى ممكن، إلا أن المسبار الذي يخترق الفضاء حالياً بسرعة تزيد على 121 ألف كيلومتر في الساعة على بعد أيام معدودة من الوصول إلى هدفه حول مدار الكوكب الأحمر، سيواجه التحدي الأصعب وهو عملية إبطاء سرعته بشكل ذاتي ومن دون تدخل بشري مباشر إلى 18 ألف كيلومتر في الساعة، تمهيداً لدخوله إلى مدار الالتقاط حول المريخ، قبل انتقاله لاحقاً -في حال نجاح هذه العملية- إلى المدار العلمي ومن ثم بدء مهمته العلمية في جمع البيانات والمعلومات التي لم يتوصل إليها الإنسان من قبل حول الكوكب الأحمر الأكثر شبهاً بكوكب الأرض في المجموعة الشمسية.

وتستمر مهمة المسبار طوال سنة مريخية كاملة تبلغ بحسابات الأرض 687  يوماً، يجمع فيها أكثر من 1000 غيغابيت من البيانات التي سيتم مشاركتها مجاناً مع المجتمع العلمي والمهتمين بالفضاء من الجامعات ومراكز الأبحاث حول العالم.

 

 

الفكرة تصبح خطة استراتيجية

 

 

ومنذ ولادة “مسبار الأمل” كمجرد فكرة في الخلوة الوزارية قبل 7 سنوات، تبنتها على الفور القيادة الرشيدة للدولة برؤيتها الاستشرافية الثاقبة، إذ وجه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي “رعاه الله” بدراسة الفكرة، وتحولت إلى خطة استراتيجية تم فيها التخطيط للمشروع من كافة جوانبه لتصميم وتصنيع المسبار وإطلاقه بحيث يتزامن وصوله إلى الكوكب الأحمر مع اليوبيل الذهبي لدولة الإمارات.

وقد استلهمت القيادة الرشيدة للدولة في توجهها لاستكشاف المريخ، حلم الوالد المؤسس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “طيب الله ثراه” عندما قال: «إن رحلات الفضاء يفخر بها كل إنسان على وجه الأرض، لأنها تجسد الإيمان بالله وقدرته، ونحن نشعر كوننا عرباً بأن لنا دوراً عظيماً في هذا المشروع وفي هذه الأبحاث، وفخورون بالتقدم الهائل في علوم الفضاء، بفضل القواعد التي أرساها العلماء العرب منذ مئات السنين، ونأمل أن يعم السلام ويدرك البشر الأخطار، التي تهددهم بسبب التأخر»، إذ أبدى الوالد المؤسس اهتماماً كبيراً بعلوم الفضاء  وشغفاً بالتعرف على جديدها وإنجازاتها وتطبيقاتها، وتجسد ذلك في لقائه مطلع سبعينيات القرن الماضي مع مسؤولي رحلة أبولو التاريخية التي قامت بها وكالة «ناسا» الأمريكية لاستكشاف القمر.

 

 

مبادرة وطنية استراتيجية

 

 

وفي السادس عشر من يوليو 2014، تحول إرسال مسبار لاستكشاف المريخ من فكرة خضعت للدراسة والتخطيط الدقيق إلى مبادرة وطنية استراتيجية أعلنها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي “رعاه الله” تحت اسم مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ. وقد اختار له صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم اسم “مسبار الأمل” ليكون رسالة أمل من دولة الإمارات إلى شباب وشعوب المنطقة.

وجاء إطلاق مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ “مسبار الأمل” تتويجاً لجهود نقل المعرفة وتطويرها التي بدأت في عام 2006 في مركز محمد بن راشد للفضاء، وهو ثمرة تعاون وثيق بين فريق من العلماء والباحثين والمهندسين الإماراتيين وشركاء دوليين لتطوير القدرات اللازمة لتصميم وهندسة مهمات فضائية. وتم تكليف مركز محمد بن راشد للفضاء من قبل حكومة دولة الإمارات بإدارة وتنفيذ جميع مراحل المشروع، في حين تتولى وكالة الإمارات الفضاء الإشراف العام على المشروع.

ويمثّل مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ “مسبار الأمل” رؤية دولة الإمارات للمستقبل الذي ستكون فيه المعرفة أساس الاستثمار في بناء القدرات البشرية، وبناء اقتصاد معرفي مستدام، وتعزيز المسيرة التنموية في الدولة، والتصدي للتحديات من خلال إيجاد حلول مبتكرة، واستكشاف فرص للغد، وتطوير قطاعات جديدة لرفد الثروة الوطنية.

وكمشروع وطني، فإن آفاقه ونتائجه ستشمل كل مواطني الدولة. وبالتزامن مع ذلك ومنذ البداية، أكدت حكومة دولة الإمارات أن هدف المشروع ليس فقط الوصول إلى الكوكب الأحمر، ولكن أيضاً أن يكون رمزاً للأمل في المنطقة عبر تقديم نموذج لتمكين الشباب في العالم العربي في المجالات العلمية والتقنية، بما يجعلهم قوة إيجابية تعمل من أجل خدمة أوطانهم وتساهم في بناء مجتمع عالمي أكثر استقراراً وازدهاراً.

ويهدف مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ “مسبار الأمل” إلى تعزيز نمو قطاعات الفضاء والعلوم والتكنولوجيا المتقدمة في دولة الإمارات العربية المتحدة والمساهمة في بناء وتدعيم الاقتصاد المعرفي في الدولة.

 

 

تحويل الحلم إلى واقع ملموس

 

 

وفور تلقي مركز محمد بن راشد التكليف ببدء تنفيذ المشروع، انطلقت رحلة تحويل الحلم والفكرة إلى واقع ملموس، وتشكلت فرق العمل من كوادر وطنية شابة من أبناء وبنات الوطن الذين واصلوا الليل بالنهار لإنجاز هذه المهمة الوطنية التاريخية خلال المدة الزمنية التي حددتها القيادة الرشيدة وهي 6 سنوات، حتى يتزامن وصول المسبار مع احتفالات الدولة بيومها الوطني الخمسين، في حين أن المهام الفضائية المثيلة يستغرق تنفيذها ما بين 10 إلى 12 عاماً، وكان هذا تحدياً كبيراً لفريق العمل حولوه بفضل الدعم اللامحدود من القيادة الرشيدة إلى حافز إضافي يدفعهم لبذل المزيد من الجهد. 

ومنذ اليوم الأول للمشروع كان توجيه القيادة واضحاً، وهو أن يتم تطوير المسبار وعدم شرائه جاهزاً، وكان هذا تحدياً جديداً، تحول إلى فرص لبناء قدرات الكوادر الوطنية العاملة في المشروع عبر برنامج يدمج بين الخبرة المكتسبة من قبل مهندسين عملوا منذ عام 2006 في تطوير أقمار اصطناعية وبين نقل معرفة وخبرة إلى الباحثين والمهندسين الإماراتيين، بالتعاون مع شركاء معرفة دوليين، فكان النهج في تطوير المسبار هو البناء على ما انتهى إليه الغير، بدلاً من أن نبدأ من الصفر، وهذا ما مكن الفريق بصياغة أهداف علمية تعتبر فريدة من نوعها ستزود العلماء حول العالم بمعلومات لم يسبق التقاطها عن الكوكب.  .

وقد عمل فريق مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ في مركز محمد بن راشد للفضاء على تصميم المسبار وعلى تطويره مع شركاء نقل المعرفة في جامعة كولورادو في بولدر وجامعة ولاية أريزونا وجامعة كاليفورنيا بيركلي. والجدير بالذكر أن شركاء المعرفة عملوا للمرة الأولى مع دولة الإمارات في تطوير مسبار كامل إلى الفضاء مما عزز من خبرة فريق العمل الإماراتي من الانخراط في جميع مراحل تطوير المشروع وقيادتهم تطوير الأنظمة في المسبار. وعمل مختبر الفيزياء الجويّة والفضاء في جامعة كولورادو في بولدر وهو شريك نقل المعرفة المتخصّص في تطوير هندسة النظم وأدوات المقياس الطيفي بالأشعة فوق البنفسجية وكاميرا الاستكشاف، وكذلك جامعة ولاية أريزونا وهي شريك نقل المعرفة في تطوير أدوات المقياس الطيفي بالأشعة تحت الحمراء، ومختبر بيركلي لعلوم الفضاء في جامعة كاليفورنيا، وهو شريك نقل المعرفة للفريق العلمي وحساس المقياس الطيفي بالأشعة ما فوق البنفسجية. 

ولسرعة إنجاز المهمة الوطنية، جرى تقسيم فريق عمل المشروع إلى 6 فرق عمل فرعية هي: فريق إدارة المشروع والفريق العلمي وفريق تطوير المسبار والأجهزة العلمية وفريق التحكم بالمسبار وفريق البرامج التعليمية، وبالتزامن مع عمليات اكتساب فريق عمل “مسبار الأمل” العلوم والخبرات والمعارف اللازمة، بدأت عمليات تصميم المسبار، والتخطيط الدقيق لكافة مراحل المشروع، وبدأ بناء المسبار داخل مركز محمد بن راشد للفضاء ليتم إنجازه في فبراير 2020، وتزامن ذلك مع قيام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بحضور عملية تركيب القطعة الأخيرة من المسبار، والتي تشكل الجزء الخارجي الأخير منه وتحمل أسماء أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حُكّام الإمارات، وتواقيع سموهم، وتواقيع سمو أولياء العهود، كما تحمل عبارة “قوة الأمل تختصر المسافة بين الأرض والسماء”، بالإضافة إلى علم دولة الإمارات وشعارها “لا شيء مستحيل”.

 

 

 

الانتصار على “كورونا”

 

 

 

وعقب أن تخطى فريق عمل مسبار الأمل تحدي بناء المسبار بكفاءة في وقت قياسي يقل عن نصف المعتاد في المشاريع الفضائية المثيلة، حتى ظهر تحدي جديد تمثل هذه المرة في كيفية نقل المسبار إلى محطة الإطلاق في اليابان بالتزامن مع تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد “كوفيد 19” عالمياً، وهو ما ترتب عليه إغلاق المطارات والموانئ حول العالم، ووضع قيود صارمة على التنقل بين الدول ضمن الإجراءات الاحترازية لمكافحة تفشي الفيروس، وكان على فريق العمل أن يضع خططاً بديلة لنقل المسبار في الموعد في ضوء هذا التحدي المستجد، حتى يكون جاهزاً للإطلاق في التوقيت المحدد سلفاً في منتصف يوليو 2020، وهنا سجل الفريق إنجازاً جديداً في مسيرة تخطي التحديات، إذ نجح عبر خطة محكمة راعت كل التدابير الاحترازية في نقل المسبار إلى محطة تناغاشيما اليابانية، في قصة نجاح تستحق أن تروى وتتناقلها الأجيال.

وتشكل قصة نقل المسبار إلى محطة الإطلاق في اليابان تجربةً ملهمة بحد ذاتها، خصوصاً وأنها تمت في ظل ظروف صعبة وغير مسبوقة في العالم لم تشهد لها البشرية سابقةً طوال تاريخها الحديث، وما ترتب عليها من تحديات فنية ولوجستية، ومع ذلك نجح فريق مسبار الأمل في إتمام عملية النقل حسب الجدول الزمني المقرر، في رحلة استغرقت أكثر من 83 ساعة براً وجواً وبحراً، ومرت بثلاث مراحل رئيسية، روعي خلالها اتخاذ تدابير وإجراءات لوجستية محكمة، لضمان إيصال المسبار إلى وجهته النهائية قبل الإطلاق في وضعية مثالية. 

 

 

 

اللحظة الحاسمة

 

 

ثم جاءت اللحظة الحاسمة التي ظل فريق العمل يترقبها بفارغ الصبر طوال 6 سنوات من العمل الدؤوب، وهي لحظة الإطلاق التي تحدد لها الساعة الأولى من صباح يوم 15 يوليو 2020 بتوقيت الإمارات، ولكن مسلسل التحديات الصعبة عاد ليطل برأسه من جديد، إذ تبين أن الظروف الجوية غير الملائمة لإطلاق الصاروخ الذي سيحمل المسبار، ليقوم فريق العمل بإعادة جدولة موعد الإطلاق ضمن “نافذة الإطلاق” الممتدة من 15 يوليو وحتى 3 أغسطس، علماً بأن عدم نجاح الفريق في إنجاز عملية الإطلاق خلال هذه الفترة كان يعني تأجيل المهمة بأكملها لمدة عامين. وبعد دراسات دقيقة لتنبؤات الأحوال الجوية بالتعاون مع الجانب الياباني قرر الفريق إطلاق مسبار الأمل يوم العشرين من يوليو عند الساعة 01:58 صباح بتوقيت الإمارات. 

ولأول مرة في تاريخ المهام الفضائية لاستكشاف الفضاء يتردد العد التنازلي باللغة العربية، إيذاناً بإطلاق مسبار الأمل، وسط متابعة مئات الملايين من الدولة والمنطقة والعالم، وحبس الجميع أنفاسهم انتظاراً للحظات الحاسمة التي سيصعد خلالها الصاروخ مخترقاً الغلاف الجوي للأرض بسرعة 34 ألف كيلومتر في الساعة حاملاً مع مسبار الأمل، وما هي إلا دقائق حتى تأكد نجاح عملية الإطلاق، ثم انفصال المسبار عن صاروخ الإطلاق بنجاح، ولاحقاً استلام أول إشارة من المسبار في رحلته الممتدة 7 أشهر يقطع خلالها 493 مليون كيلومتر، كما تلقى المسبار أول أمر من محطة التحكم الأرضية بالخوانيج في دبي بفتح الألواح الشمسية وتشغيل أنظمة الملاحة الفضائية وإطلاق أنظمة الدفع العكسي ، ليشكل ذلك فعلياً بداية رحلة المسبار الفضائية إلى الكوكب الأحمر، ترجمةً لحلم زايد، وإيذاناً بدخول دولة الإمارات التاريخ بإنجاز فضائي غير مسبوق على مستوى الوطن العربي، وليكون “مسبار الأمل” أول مهمة فضائية لاستكشاف الكواكب تقودها دولة عربية.

 

 

 

تحديات تخطاها فريق المشروع

 

 

ولم تتوقف التحديات عند هذا الحد بعد الإطلاق الناجح لمسبار الأمل، ولكن ظهرت تحديات من نوع آخر أكثر صعوبة وخطورة كطبيعة المهام الفضائية الاستكشافية المحفوفة دائماً بالمخاطر، حيث تمر رحلة المسبار إلى الكوكب الأحمر بست مراحل، هي بالإضافة إلى مرحلة الإطلاق: مرحلة العمليات المبكرة، والملاحة في الفضاء، والدخول إلى مدار المريخ، والانتقال إلى المرحلة العلمية، والمرحلة العلمية، ولكل من هذه المراحل طبيعتها الخاصة وتحدياتها النوعية التي تتطلب التعامل معها بكل دقة وكفاءة من جانب فريق العمل.

 

 

ففي المرحلة الأولى من عملية الإطلاق، انطلق الصاروخ متسارعاً بعيداً عن الأرض، وتم خلال هذه المرحلة استخدام محركات الصاروخ التي تعمل بالوقود الصلب، وبمجرد اختراق الصاروخ للغلاف الجوي تم التخلص من الغطاء العلوي للصاروخ والذي كان يحمي “مسبار الأمل” أثناء اختراق الصاروخ للغلاف الجوي للأرض. وفي المرحلة الثانية من عملية الإطلاق تم التخلص من محركات المرحلة الأولى، ووضع المسبار في مدار الأرض، لتعمل بعد ذلك محركات المرحلة الثانية على وضع المسبار في مساره نحو الكوكب الأحمر من خلال عملية محاذاة دقيقة مع المريخ، وكانت سرعة المسبار في هذه المرحلة 11 كيلومتر في الثانية الواحدة، أي 39600 كيلومتر في الساعة. ثم انتقل مسبار الأمل إلى المرحلة الثانية من رحلته التاريخية، والمعروفة بمرحلة العمليات المبكرة، وفيها بدأت سلسلة من الأوامر المعدة مسبقاً بتشغيل مسبار الأمل، تشمل هذه العمليات تنشيط الكمبيوتر المركزي، وتشغيل نظام التحكم الحراري لمنع تجمد الوقود، وفتح الألواح الشمسية واستخدام المستشعرات المخصصة لتحديد موقع الشمس، لتبدأ بعدها مناورة تعديل موضع المسبار وتوجيه الألواح نحو الشمس، من أجل بدء عملية شحن البطاريات الموجودة على متن المسبار، وفور انتهاء العمليات السابقة بدأ “مسبار الأمل” في إرسال سلسلة من البيانات هي أول إشارة تصل إلى كوكب الأرض، وهذه الإشارة تم التقاطها من ِقبل شبكة مراقبة الفضاء العميق وبالأخص المحطة التي تقع في العاصمة الإسبانية مدريد. 

 

 

 

مناورات توجيه المسار

 

وفور تلقي المحطة الأرضية في دبي هذه الإشارة، باشر فريق العمل إجراء سلسلة من الفحوصات للتأكد من سلامة المسبار استمرت لمدة 45 يوماً، فحص خلالها فريق العمليات والفريق الهندسي للمسبار جميع الأجهزة للتأكد من عمل الأنظمة والأجهزة الموجودة على متن المسبار بكفاءة. وفي هذه المرحلة، تخطى فريق عمل مسبار الأمل بنجاح تحدي عمليات توجيه المسبار ليكون في أفضل مسار صوب الكوكب الأحمر، وقد نجح الفريق في إجراء أول مناورتين، الأولى في 11 أغسطس والثانية في 28 من أغسطس 2020.

 

 

وبعد إنجاز مناورتي توجيه المسار بنجاح، بدأت المرحلة الثالثة في رحلة “مسبار الأمل”، عبر سلسلة من العمليات الاعتيادية، إذ تواصل الفريق مع المسبار عبر محطة التحكم الأرضية بواقع مرتين إلى ثلاث مرات في الأسبوع، مدة كل منها تتراوح ما بين 6 إلى 8 ساعات. وفي الثامن من نوفمبر الماضي، أنجز فريق عمل مسبار الأمل بنجاح مناورة توجيه المسار الثالثة، ليتحدد -على إثرها- بدقة موعد وصول المسبار إلى مدار المريخ يوم 9 فبراير 2021 عند الساعة 7:42 مساء بتوقيت الإمارات.

 

 

تشغيل الأجهزة العلمية بالفضاء

 

وخلال هذه المرحلة أيضاً قام فريق العمل بتشغيل الأجهزة العلمية لأول مرة في الفضاء وفحصها وضبطها، وذلك عبر توجيهها نحو النجوم للتأكد من سلامة زوايا المحاذاة الخاصة بها، والتأكد من أنها جاهزة للعمل بمجرد وصولها إلى المريخ. ومع نهاية هذه المرحلة اقترب “مسبار الأمل” من المريخ لتبدأ أهم مراحل مهمته التاريخية لاستكشاف الكوكب الأحمر وأكثرها خطورة، وهي مرحلة الدخول إلى مدار المريخ.

 

 

أصعب 27 دقيقة

 

وتعد مرحلة الدخول إلى مدار المريخ والتي تستغرق 27 دقيقة قبل وصول المسبار بنجاح إلى مداره المحدد حول الكوكب الأحمر من أصعب وأخطر مراحل المهمة، وخصوصاً أن التحكم بالمسبار سيكون تلقائياً من دون أي تدخل من المحطة الأرضية.  فسيعمل المسبار طوال هذا الوقت بشكل ذاتي. 

ورغم كل ما تخلل مشروع مسبار الأمل من تحديات ومصاعب ومخاطر منذ بدايته إلا أن هذه الدقائق هي الأصعب والأخطر إذ يكون الاعتماد في نجاحها كلياً على عمليات البرمجة التي قام بها فريق العمل عند بناء وتصميم المسبار، والتي يصعب تجربتها في ظروف مشابهة على كوكب الأرض، وفي هذه المرحلة سيركز فريق العمل على إدخال مسبار الأمل في مدار الالتقاط حول المريخ بشكل آمن، ومن أجل إتمام هذه المهمة بنجاح سيتم حرق نصف كمية الوقود الموجودة في خزانات المسبار لإبطائه إلى الحد الذي يسمح بإدخاله في مدار الالتقاط، وتستمر عملية حرق الوقود باستخدام محركات الدفع العكسي (دلتا في) لمدة 27 دقيقة لتقليل سرعة المسبار من 121,000 كم/ساعة إلى 18,000 كم/ساعة، ونظراً لكونها عملية دقيقة، فقد تم تطوير أوامر التحكم لهذه المرحلة عبر دراسة عميقة من الفريق حددوا في كل السيناريوهات التي يمكن أن تحدث بالإضافة الى كل الخطط التحسينية لتكون اليوم الأوامر جاهزة لهذه اللحظة الحرجة. وبعد نجاح هذه المهمة سيدخل المسبار في مداره الأولي البيضاوي الشكل وتصل مدة الدورة الواحدة حول الكوكب فيه إلى 40 ساعة، وسيتراوح ارتفاع المسبار من 1000 كيلومتر فوق سطح المريخ إلى 49,380 كيلومتر.  وسيستمر المسبار في هذا المدار لعدة أسابيع لإعادة فحص واختبار جميع الأجهزة الفرعية الموجودة على متن المسبار قبل الانتقال إلى المرحلة العلمية التي سيتم خلالها إجراء أول اتصال مع المسبار مع المحطة الأرضية عبر شبكة الاتصالات في إسبانيا. 

ولاحقاً، تبدأ المرحلة السادسة والأخيرة وهي المرحلة العلمية، وخلالها سيتخذ “مسبار الأمل” مداراً بيضاوياً حول المريخ على ارتفاع يتراوح ما بين 20,000 إلى 43,000 كيلومتر، ويستغرق فيه المسبار 55 ساعة لإتمام دورة كاملة حول المريخ. ويعد المدار الذي اختاره فريق مسبار الأمل مبتكراً للغاية وفريداً من نوعه، وسيسمح لمسبار الأمل بإمداد المجتمع العلمي بأول صورة متكاملة عن الغلاف الجوي لكوكب المريخ وطقسه خلال عام كامل. وستقتصر عدد مرات اتصال “مسبار الأمل” مع المحطة الأرضية على مرتين فقط في الأسبوع وتتراوح مدة الاتصال الواحد ما بين 6 إلى 8 ساعات، وتمتد هذه المرحلة لعامين، ومن المخطط أن يجمع المسبار خلالها مجموعة كبيرة من البيانات العلمية عن الغلاف الجوي للمريخ وديناميكياته. وسيتم توفير هذه البيانات العلمية إلى المجتمع العلمي عبر مركز البيانات العلمية التابع لمشروع الإمارات لاستكشاف المريخ.

وهنا لا تنتهي رحلة مسبار الأمل بما فيها من تحديات ومصاعب ومخاطر، ولكن تبدأ رحلة أخرى من تحدي المستحيل وتخطيه، وترسيخ هذا التوجه كقيمة أساسية في هوية الدولة وثقافة أبنائها.

 

 

ومهما كانت السيناريوهات التي ستشهدها مهمة مسبار الأمل عند اقترابه من المريخ، يكفي فريق العمل من الكوادر الوطنية الشابة فخراً أنهم أثبتوا للعالم أن أبناء وبنات دولة الإمارات مثل قيادتها وشعبها لا يعرفون المستحيل، إذ عملوا طوال 7 سنوات على إنجاز المشروع بداية من التصميم والتجهيز ونقل المسبار إلى اليابان رغم ظروف كورونا ثم إطلاقه بنجاح والتحكم في مسار الرحلة عبر إجراء مناورات توجيه المسار بكفاءة، وكل ذلك يعد إنجازاً عربياً إماراتياً كبيراً بكل المقاييس.

والخلاصة أن رحلة مسبار الأمل من بدايتها كفكرة حتى الاقتراب من المريخ مروراً بالتجهيز والتصميم والإطلاق -ومهما كانت نتائجها- تؤكد أن الأمل سيظل متجدداً وأن المستحيل سيظل ممكناً على أرض دولة الإمارات وفي قاموس قيادتها وشعبها.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com