|  آخر تحديث أكتوبر 7, 2018 , 17:07 م

« رحيل راشد بن سعيد .. ذكري لا تموت »


« رحيل راشد بن سعيد .. ذكري لا تموت »



ثمانية وعشرون عاماً مرت على رحيل أحد مؤسسي وشركاء اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، وباني دبي الحديثة، ففي السابع من شهر أكتوبر عام 1990 رحل عن عالمنا المؤسس الكبير الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، وبقيت أياديه البيضاء ورؤيته الثاقبة وسيرته العطرة نبراساً لأبناء الوطن يستمدون منه الهمة والعزم لتعزيز تطور وحضارة الدولة، وخاصة إمارة دبي.

 

المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ راشد والده المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم بن حشر بن مكتوم بن بطي بن سهيل الفلاسي، رحمه الله، الذي حكم دبي من الفترة 1912 وحتى 1958، ووالدته الشيخة حصة بنت المر التي عرفت ب «أم دبي» لما اتصفت به من قوة الشخصية والإرادة والعزيمة القادرة على تنشئة أجيال ذات إرادة واستقلالية. وتلقى الشيخ راشد، رحمه الله، دراسته الأولى في علوم الفقه واللغة العربية التي كانت توفرها الكتاتيب في ذلك الحين، ثم التحق بالتعليم النظامي في مدرسة الأحمدية في ديرة، فتفقه في العلوم الدينية إلى جانب علوم اللغة العربية والتاريخ والحساب والجغرافيا، وكان، رحمه الله ،أصغر تلاميذ هذه المدرسة والتي كانت المدرسة الوحيدة في دبي.

 

كان المغفور له بإذن الله رجلًا ذا عقل راجح وبصيرة نافذة، سخّر وقته وجهده وكل ما لديه لنهضة دبي، حتى صارت لؤلؤة الخليج، وأصبحت درة نفيسة تروى حكايات نهضتها وتطورها في بلاد العالم أجمع، كيف لا وقد أدركت في سنوات قصيرة من عمر الزمان من التطور والنهضة في مجالات الحياة كلها ما لا يستطيع غيرها إدراكه في قرون. هذه هي عظمة القيادة، قيادة المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الذي حقق التميز وهيَّأ الظروف لتحقيق المزيد منه.

كان المغفور له بإذن الله من أهم هذه الوجوه السمحة التي اعتمدت مبدأ البساطة، والاستماع للجميع وإشراك المواطنين في صنع القرار والتنفيذ، وقد صدقت رؤيته بجعل دبي «دانة الدنيا»، حيث إنَّ النعمة المادية التي أغدقها الله على هذه الأرض الطيبة تختبئ بين طيات الصحراء أو تحت سطح الماء، ولكن النعمة المعنوية هي شخصيات هذه الدولة مثل المغفور له بإذن الله الشيخ راشد التي غيرت وجه التاريخ، إنها حقًا نعمتها الروحية الحقيقية.

 

عُرف الشيخ راشد بجدّه واجتهاده، وبعده عن اللهو وحبه للعلم والمعرفة، كما اشتهر منذ صغره بسمو الأخلاق وطيب النفس ولين المعشر، وقد رأى مدرسوه وصحبه في عينيه دومًا لهيبًا من الحماس يكتنف مقلتيه، ويقوده نحو الأمام لتحقيق أحلامه، وقد كان حلمه الأكبر رسم اللون الأخضر على صفحات هذه الصحراء المترامية الأطراف، القاسية، وجلب الحياة السهلة الكريمة لأبنائه وإخوانه المواطنين. وكان يخرج هو وأصدقاؤه من المدرسة إلى الصحراء ليدربوا الطيور ويعدوها لموسم القنص في الشتاء، وواظب منذ الصغر على حضور مجلس والده ونشأ مستمعاً لأمور الحكم واستقبال الضيوف والمترددين على مجالس والده.

في عام 1924 عندما بلغ الثانية عشرة من عمره وأصبح ذا شخصية قوية ذات تأثير فعال أضفت على مظهره الهيبة والوقار والتواضع فرض على الآخرين تقديره واحترامه وكان يعرف بالشاب الجاد لما اتسم به من الجدية والصراحة.

 

كان لمشاركة الشيخ راشد بن سعيد في مجلس الإمارات المتصالحة دور في التمهيد للاتحاد، فقد كان على قناعة حقيقية بأن مستقبل إمارات الساحل المتصالحة سيكون أفضل إذا توحدت وأمسكت هي بزمام الأمور، وقد عمل مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، على إقناع حكام الإمارات وقطر من أجل إيجاد كيان وحدوي؛ فكان يعرض خطته على الحكام في اجتماعات ثنائية، وفي عام 1965 وبالتعاون مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد تمكن من أن يدعو إلى اجتماع لحكام الإمارات السبعة إضافة إلى حاكمي قطر والبحرين في قصر الضيافة في دبي.

كما عمل مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان، طيَّب الله ثراه، على إصدار وثيقة الوحدة والاتحاد بين دبي وأبوظبي في فبراير عام 1968م وفي العاشر من يوليو 1971م وجه المغفور له بإذن الله الشيخ راشد دعوة من أجل المضي قدماً على طريق الاتحاد، واستمر في الدفع نحو الاتحاد حتى أعلن عنه رسميًا في 2 ديسمبر/كانون الأول 1971م، حيث تولى منصب نائب رئيس الدولة، إضافة إلى رئاسة مجلس الوزراء؛ فعمل بكل جد على مراقبة الوزارات، لتكون في خدمة الشعب.

ولما بدأت التحركات للمّ شمل الأخوة تحت مظلة واحدة، كان الشيخ راشد،رحمه الله، من أوائل الذين وضعوا أيديهم بيد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، بكل عزيمة وجهد وتفان، لاستكمال الحلم. وكان يشجع على سياسة التمهل وعدم التسرع والانسياق وراء الأحلام دون وضع الأساسات الصحيحة التي تمكنها من الاستمرار.

في 10 سبتمبر/أيلول عام 1958 أسلم المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم الروح إلى بارئها، وشاع الحزن في دبي، بل وفي الساحل كله حزناً على الفقيد الغالي، وقد ملك الحزن قلب الشيخ راشد بن سعيد على رحيل والده الذي ربطته به علاقة مميزة وكان قريباً منه دوماً، وانتقل الحكم بكل سلاسة إلى الحاكم الجديد ولي العهد المغفور له بإذن الله الشيخ راشد في 4 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه في حفل تنصيب رسمي، واستمر في نهجه الذي اتبعه منذ تعيينه ولياً للعهد في الإصلاح والتطوير وتحسين ظروف الحياة.

 

وفي بداية الثمانينات مرض الشيخ راشد فجأة وذهب لانجلترا للعلاج، وعاد بعدها واستمر في ممارسة أعماله إلى أن اشتد به المرض في أواخر الثمانينات إلى ان رحل في مساء الأحد الثامن عشر من ربيع الأول عام 1411 الموافق السابع من أكتوبر 1990 بعد حياة حافلة جعلت من دبي مدينة عالمية يشهد لها الجميع. ومن أصدق من المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، في وصف المغفور له الشيخ راشد حين قال في عزائه: كان رجلاً باراً من رجالات هذا الوطن، وفارساً مغواراً من فرسانه، ورائداً من رواد وحدته وبناة حضارته، وإذا كان قد انتقل إلى مثواه الأخير فإن ذلك لايعني أن يغادر ذاكرتنا أو حياتنا، بل سيبقى- رحمه الله- خالدًا في القلوب وفي المقدمة بين الذين يزخر تاريخهم بجلائل الأعمال…بالأمس كان المغفور له أبا للشيخ مكتوم وإخوانه، واليوم أنا أبوهم وعوضهم فيه وهم عوضي أنا في أبيهم، كما أنهم عوض شعب دولة الإمارات العربية المتحدة بما عرفته وعرفه هذا الشعب منهم من حب وحرص وتفان في خدمة هذا الوطن».

 

قال المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله في الشيخ راشد بن سعيد رحمه الله: «الشيخ راشد يمتاز بميزتين أولاهما أنه رجل سياسي بارع، وثانيهما أنه رجل يمثل مهارة غير طبيعية في عالم الاقتصاد، وهو رجل مشهود له بالتروي والتأني ولا يستعجل الأمور ولا يندفع في الجري وراء الأفكار الجديدة قبل تمحيصها لئلا يكون من ورائها ضرر».

ذكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن والده قوله: «إنني أبني ميناء راشد؛ لأنه يمكن أن يأتي يوم لا تقدرون على بنائه»، لم يفكر أحد قبل والدي في تنفيذ مشروع كهذا، ولكن والدي فكر فيه ونفذه فكيف اهتدى إليه؟ هذا السؤال لا أعرف جواباً مختصرًا له، لكن لو حصرت إجابتي بكلمة واحدة لقلت إنها «الرؤية».

رحم الله المغفور له باذن الله الوالد الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وأخيه المغفور له بأذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأسكنهما في فسيح جناته.

 

 

 

بقلم: محمد عبدالمجيد علي 


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *