|  آخر تحديث يونيو 4, 2018 , 19:01 م

«في ذكري رحيل زايد .. رمز العطاء والانسانية»


«في ذكري رحيل زايد .. رمز العطاء والانسانية»



بقلم: محمد عبدالمجيد علي 

 

 

اربعة عشر عاماً انقضت على رحيل المغفور له بإذن الله تعالى .. الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والذي تصادف ذكراه الثاني من نوفمبر والتاسع عشر من رمضان من كل عام، ولا تزال دولة الإمارات ودول العالم العربي الشقيقة تذكر الفقيد بشجن وفير، والشعور نفسه يتساوى لدى الطفل والشاب والرجل الكبير، ولدى الرجال والنساء أيضاً، فزايد رحمه الله، بنى الإنسان وعمَّر المكان، وترك في كل الإمارات بصمة لا تمحوها السنوات..

 

لقد عرف عن زايد، طيب الله ثراه، أن نشأته الاجتماعية كان لها التأثير الأقوى والأهم في تكوين شخصيته القيادية الفذة، إذ إنه لم يلتحق بالمدارس النظامية أو مؤسسات تعليمية أخرى، ولكنه كان يستمد قيم الرجولة من مجلس والده ومعلمه منذ الرابعة من عمره، مما جعله يكتسب فطنة وذكاءً حاداً، يستمع وينصت للحوار ويرد بصراحة وعفوية، ولم يسبق أن رد محتاجاً، وكان، طيب الله ثراه، حافظاً للقرآن الكريم. وعندما تولّى والده الشيخ سلطان بن زايد زمام الأمور، تميز سموه بالشجاعة والجرأة وسرعة التصرف والحكمة. حيث استطاع خلال فترة حكمه تحسين علاقاته بالجوار وتعزيز مكانته بين مواطنيه، رغم قصر مدة حكمه، وكان الشيخ زايد في هذه الأثناء طفلاً في قصر الحصن (مقر الحكم)، وقد فتح عينيه على معاناة الناس آنذاك وما كان والده يفعله لمساعدتهم، فأدرك مصاعب الحياة وقهرها، وأعطاه ذلك الكثير من الخصال التي اختلطت ببيئته البدوية الإسلامية التي أضفت عليه صفات الجَلَد والصبر، وجعلته ذا بصيرة وحكمة بالغتين.

وكان الشيخ زايد مواظباً على حضور مجلس والده الذي كان يستقبل المواطنين، ويستمع إلى همومهم، ويشاركهم معاناتهم في زمن كانت فيه تجارة اللؤلؤ ورحلات الصيد المصدر الوحيد للدخل في المنطقة، وكان زايد الطفل يطرح دوماً الأسئلة على أبيه؛ ليزداد بذلك وعيه وإدراكه..

وعندما تولى زايد بن سلطان الحكم في دولة الإمارات، وأنعم الله سبحانه وتعالى عليها بنعمة البترول في فترة حكمه، استثمر الشيخ زايد (وذلك كما وثق المركز الوطني للوثائق والبحوث في وزارة شؤون الرئاسة عن مسيرة الراحل) عوائد أبوظبي النفطية ليبدأ مرحلة مشهودة من النهضة المباركة، لرفع المعاناة التي عاشها شعب الإمارات في الماضي. ولم يكن ذلك إلا لصدقه وإخلاصه لأبناء وطنه.

 

ولم يكتف الشيخ زايد ببناء دولة الإمارات العربية المتحدة، والنهوض بها لتكون وطناً يضاهي أكثر الدول تقدماً، بل استطاع كرجل دولة أن يتجاوز حدود الإمارات ليصبح داعية سلام عالمياً. ففي أشد المحن برز الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كزعيم وداعية سلام يمتد نفوذه السياسي إلى كافة أصقاع الأرض، لذا ظل على مدار ثلاثة وثلاثين عاماً من الرئاسة، يؤدي أدواراً سياسية وإنسانية على الصعيد العالمي، فيتوسط لإيقاف الحروب، ويضغط على المجتمع الدولي للتصرف في منعطفات حاسمة من تاريخنا.. وذلك عندما قطع البترول عن دول الغرب أثناء «حرب أكتوبر المجيدة » قائلاً لهم: «إن النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي».

 

 

وعلى صعيد العمل الخيري تحول بفطرته إلى رجل إحسان على الصعيد العالمي، فكان عطاؤه على ضوء تعاليم الدين الإسلامي، بعيداً عن التباهي والتفاخر، ولم يكن العمل الخيري أو الجود الذي عرف به الشيخ زايد مقتصراً على الإمارات، وإنما امتد إلى خارج حدودها ليصبح أعظم محسن في العالم على الإطلاق، وكان له دور كبير في مساعدة مئات الملايين من البشر. وكما هو متعارف ومتفق عليه.. إنه لا يكون بمقدور الأفراد أو الجماعات الانتقال من وضع إلى وضع أفضل منه، إلا إذا تيسرت لهم قيادة ملهمة، قادرة على استيعاب روح الجماعة، بل والسير بها ومعها في اتجاه التقدم للأمام، وبرؤية خلاقة ترى ما لا يراه الآخرون، وتمضي بهم بطموح لا تقف أمامه عقبات أو تحول دونه صعاب مهما عظمت.. ولم تسجل سطور ما كتب من «سير» إلا أعداداً يسيرة من الزعماء النابهين، الذين سجلت أسماؤهم في دفتر الزمن، ليكتب لها المجد والخلود، وكان الراحل المقيم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أحد هؤلاء.. مضى الرجل وبقيت سيرته العطرة تنداح عبقاً يضمخ الأجواء..

 

وتمر ذكرى رحيل هذا الرجل الشامخ، الذي سبق عصره وجاء ليبشر بفكر نهضوي، انبثق من واقع مجتمع كان يعيش في براثن الفاقة، والفقر المدقع، فاستطاع زايد الخير أن يتجاوز آراء من زعموا ألا أمل في تطوير مجتمع يفتقر إلى كل مستلزمات الحياة الضرورية، كالأرض الخصبة والماء العذب.. إلا أن الزعيم لم يستسلم، ومضى بعزيمة لا تلين ليرسم على صفحة الرمال «خطة استراتيجية» ابتدعها من قناعته بأن كل شيء ممكن متى ما توفرت الإرادة والإصرار على تخطي أي صعاب.

 

لقد انتهج القائد الراحل سياسة متوازنة ومنفتحة، حققت علاقات وصلات وثيقة مع الدول العربية ودول العالم الأخرى.. كالدعم لكثير من المشاريع التنموية في الدول العربية الشقيقة والدول الصديقة الأخرى.. وقام بزيارات دولية وعربية عدة.. وكانت هذه الزيارات مثمرة، انعكست آثارها على تنمية دولة الإمارات وعلاقتها مع المنطقة العربية والشعوب الأخرى. ارتحل زايد الخير والعطاء في وقت كانت الأمة العربية بأسرها في أمس الحاجة إلى سياسته الحكيمة وفكره الناصح، المشبع بقيم العدالة والعطاء والتسامح وحب الخير.. مضى الرجل القامة وبقيت ذكراه العطرة راسخة في أذهاننا، كالبصمة الخالدة.. إلى أبد الآبدين.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *