|  آخر تحديث نوفمبر 6, 2026 , 19:40 م

التقاضي الكيدي.. حين تتحول الخصومة إلى أداة للإضرار


التقاضي الكيدي.. حين تتحول الخصومة إلى أداة للإضرار



 

 

بقلم | مريم القيواني

ناشطة مجتمعية قانونية | كاتبة

 

حق التقاضي من أهم ضمانات العدالة؛ به تُصان الحقوق، وتُردّ المظالم، ويجد الإنسان طريقًا مشروعًا للدفاع عن نفسه ومصالحه. لكن هذا الحق يفقد غايته حين يستخدمه البعض لإرهاق الآخرين أو الانتقام منهم، فتتحول الخصومة من طلب للإنصاف إلى وسيلة للإضرار، ومن خلاف يُرجى حسمه إلى استنزاف يُراد إطالته.

 

هنا تبرز خطورة التقاضي الكيدي؛ إذ يستغل صاحبه الإجراءات القضائية لتحقيق غرض يتجاوز المطالبة بالحق، كالتشهير بالخصم، أو تعطيل مصالحه، أو الضغط عليه لانتزاع تنازل لا يستحقه. والمشكلة ليست في وجود النزاع، فالاختلاف أمر طبيعي، وإنما في توظيف أدوات العدالة بسوء نية لإيقاع الأذى.

 

ومع ذلك، فإن الدقة تقتضي التمييز بين الدعوى التي لم تنجح والدعوى الكيدية. فرفض الدعوى، أو عدم كفاية أدلتها، لا يعني وحده أن صاحبها تعمّد الإساءة. قد يلجأ الإنسان إلى القضاء معتقدًا بصحة حقه، ثم يعجز عن إثباته أو يختلف التقدير القانوني عما تصوره. لذلك، لا يجوز تحويل وصف «الكيدية» إلى اتهام جاهز يواجه به كل من يطالب بحق، وإنما يُترك تقديره للقضاء في ضوء الوقائع والأدلة وملابسات الخصومة.

 

وفي دولة الإمارات، يشترط قانون الإجراءات المدنية لقبول الطلب أو الدفع وجود مصلحة قائمة ومشروعة، مع الاعتداد بالمصلحة المحتملة في حالات محددة للحماية من ضرر محدق أو صون دليل يُخشى زواله. ويعبّر هذا التنظيم عن ارتباط اللجوء إلى القضاء بالحاجة إلى حماية قانونية معتبرة. (uaelegislation.gov.ae)

 

وتزداد حساسية المسألة في المنازعات الأسرية، حيث تتداخل الحقوق مع مشاعر الغضب والفقد والخوف على الأبناء. وقد تتحول الخصومة، حين يغيب الوعي، إلى سلسلة من الإجراءات المتبادلة التي تُبقي الأسرة أسيرة النزاع، ويصبح الأطفال أكثر المتضررين من صراع لا يملكون دفعه أو فهم أبعاده.

 

لكن حماية الأسرة من الكيد لا تكون بالتشكيك المسبق في شكاوى العنف أو مطالبات النفقة والحضانة، ولا باعتبار صعوبة الإثبات دليلًا على الكذب. المطلوب هو فحص منصف يحمي من يتعرض للأذى، ويكشف في الوقت نفسه تعمّد اختلاق الوقائع أو استخدام الإجراءات للضغط والانتقام. فالعدالة تحتاج إلى التثبت، بعيدًا عن الانحياز لأي طرف.

 

ولا يقتصر أثر الخصومة الكيدية على نفقات التقاضي؛ فقد يمتد إلى الاستقرار النفسي، والعمل، والسمعة، والعلاقات الأسرية. ولهذا، فإن مواجهتها تستدعي تعزيز الوعي بمسؤولية استخدام الحق، وتفعيل الوسائل القانونية المتاحة متى ثبتت شروطها، مع خضوع أي تعويض أو جزاء للنصوص الواجبة التطبيق وتقدير المحكمة، لا لمجرد ادعاء أحد الخصوم.

 

وتقع على أطراف النزاع مسؤولية عرض الوقائع بأمانة، كما تقتضي المسؤولية المهنية تجنّب تغذية الخصومات أو إطالتها بلا مقتضٍ. وعلى الخطاب المجتمعي والإعلامي أن يرسخ أن تقديم الشكوى لا يثبت الاتهام، وأن خسارة الدعوى لا تثبت الكيد، وأن الحكم على النيات لا يغني عن الدليل.

 

إن هيبة القضاء تُصان باحترام أحكامه، وبصدق اللجوء إليه كذلك. ومن يطلب العدالة عليه أن يقبل ميزانها، لا أن يستخدم إجراءاتها لإيذاء غيره. فحق التقاضي أمانة، وحمايته تقتضي أن يبقى بابه مفتوحًا لطالب الإنصاف، وأن تُواجه إساءة استعماله بالعدل ذاته الذي وُجد هذا الحق من أجله.


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com