عندما تبدأ العلاقة بكلمة… وتنتهي بجرحٍ لا يُرى
بقلم | مريم عبدالله القيواني
مستشارة | كاتبة | صحفية | إعلامية
ناشطة مجتمية حقوقية | خبير علوم جنانية
باحثة في السيكولوجيات و السلوكيات البشرية
أصبحت منصات التواصل الاجتماعي جزءًا من حياتنا اليومية، وأصبح التعارف عبر التطبيقات أمرًا شائعًا، خصوصًا بين الشباب والفتيات. وقد تبدأ بعض العلاقات عبر تعليق بسيط أو رسالة أو حوار عابر، ثم تتطور مع الوقت إلى اهتمام مستمر، ومحادثات يومية، ومشاركة تفاصيل الحياة والمشاعر.
لكن السؤال المهم ليس: كيف بدأت العلاقة؟
بل: ما النية الحقيقية وراء استمرارها؟
فليست كل علاقة تبدأ عبر مواقع التواصل علاقة سيئة، وليست كل مشاعر ناتجة عنها وهمًا. هناك علاقات تقوم على الاحترام والوضوح. وفي المقابل، توجد علاقات قد يدخلها أحد الطرفين بدافع التسلية أو البحث عن الاهتمام أو تحقيق منفعة معينة، بينما يكون الطرف الآخر أكثر صدقًا وتعلقًا.
وهنا يبدأ الخطر.
من الاهتمام إلى التعلق
قد يبدأ الأمر بكلمات جميلة واهتمام متكرر وسؤال يومي: كيف حالك؟ أين أنت؟ اشتقت لك.
ومع تكرار التواصل، قد يصبح وجود الشخص الآخر جزءًا من الروتين اليومي.
تنتظر الفتاة رسالته، وتربط يومها باهتمامه، وتبدأ في منحه مساحة أكبر من وقتها ومشاعرها.
وفي هذه المرحلة تحديدًا، ينبغي أن يتوقف الإنسان ويسأل نفسه:
هل أنا أمام علاقة واضحة ومحترمة، أم أمام تعلق يتزايد من طرف واحد؟
فالاهتمام وحده لا يكفي لإثبات صدق النوايا، والكلمات العاطفية لا تعني بالضرورة وجود التزام حقيقي.
عندما يتحول الإنسان إلى “وسيلة”
من أخطر صور العلاقات الرقمية أن ينظر أحد الطرفين إلى الآخر باعتباره وسيلة لتحقيق هدف شخصي.
قد يكون الهدف الحصول على الاهتمام، أو قضاء الوقت، أو الدعم النفسي، أو الوصول إلى معلومات أو منفعة معينة.
وبعد تحقيق ما يريده الشخص، يبدأ بالتراجع والاختفاء والابتعاد.
والأصعب أن الطرف المتعلق قد لا يفهم سبب التغيير، فيبدأ بطرح الأسئلة على نفسه:
ماذا فعلت؟ لماذا تغير؟ هل أخطأت؟ لماذا كان يهتم بي ثم ابتعد؟
وهكذا تتحول علاقة بدأت بكلمات جميلة إلى تجربة مؤلمة قد تؤثر في الثقة بالنفس وفي نظرة الشخص إلى العلاقات مستقبلًا.
المسؤولية ليست على الفتاة وحدها
من المهم ألا يتحول الحديث عن هذه الظاهرة إلى لوم للفتيات أو اتهام للشباب بشكل عام.
الاستغلال سلوك فردي، وليس صفة مرتبطة بجنس معين.
قد يستغل شاب مشاعر فتاة، وقد يحدث العكس أيضًا. ولذلك فإن الحل ليس في إطلاق الأحكام، وإنما في نشر الوعي حول الحدود والخصوصية ووضوح النوايا والمسؤولية الأخلاقية في التعامل مع الآخرين.
وفي الوقت نفسه، من المهم أن يتعلم الإنسان ألا يمنح ثقته بسرعة لمجرد كثرة التواصل أو جمال الكلمات.
أثر هذه العلاقات على المجتمع
قد يعتقد البعض أن ما يحدث داخل المحادثات الخاصة لا علاقة له بالمجتمع، لكن الواقع أن السلوكيات الفردية المتكررة يمكن أن تترك آثارًا اجتماعية أوسع.
فعندما تنتشر العلاقات القائمة على الخداع أو التلاعب أو استغلال المشاعر، قد تتراجع الثقة بين الشباب والفتيات، ويصبح الشخص أكثر حذرًا وشكًا حتى تجاه العلاقات السليمة.
كما يمكن أن تتأثر الأسرة، وتزداد المشكلات النفسية والاجتماعية الناتجة عن علاقات غير واضحة، خصوصًا عندما يكون التواصل الرقمي بديلًا عن العلاقات الواقعية المسؤولة.
لذلك فإن الوعي الرقمي أصبح جزءًا من الوعي المجتمعي.
كيف نحمي أنفسنا؟
هناك مجموعة من القواعد البسيطة التي تساعد على تقليل المخاطر:
* لا تجعل سرعة التواصل سببًا في سرعة الثقة.
* لا تعتبر الكلمات الجميلة دليلًا كافيًا على صدق النوايا.
* حافظ على خصوصيتك ولا تشارك معلومات شخصية حساسة.
* لا تجعل شخصًا تعرفت إليه عبر الإنترنت محور حياتك بالكامل.
* انتبه إلى التناقض بين الكلام والتصرفات.
* إذا كانت العلاقة غير واضحة أو تسبب ضغطًا مستمرًا، فمن حقك التراجع ووضع حدود.
* لا تسمح لأي شخص بأن يجعلك تشعر بأن قيمتك مرتبطة باهتمامه أو بقائه.
كلمة أخيرة
الحب الحقيقي لا يحتاج إلى استغلال، ولا إلى خداع، ولا إلى تعلق يُبنى عمدًا ثم يُترك صاحبه يواجه الألم وحده.
ليس كل من قال “أحبك” يعرف معنى الحب، وليس كل من منحك اهتمامًا كان ينوي البقاء.
لذلك، قبل أن تمنح شخصًا قلبك ووقتك وثقتك، امنحه فرصة أن يثبت نواياه بالأفعال، لا بالكلمات فقط.
فالعلاقات الإنسانية مسؤولية، والمشاعر ليست لعبة، والإنسان ليس محطة مؤقتة في حياة شخص آخر.
مجتمع واعٍ يبدأ من إنسان يعرف قيمة نفسه، ويحترم مشاعر الآخرين، ويدرك أن الحرية في التواصل لا تعني غياب المسؤولية.



(
(




