سرّ الجبل الذي يقلق واشنطن :
ليست كل المعارك النووية مرئية من السماء، فبعض أخطر المنشآت العسكرية لا توجد فوق الأرض، بل تختبئ خلف طبقات كثيفة من الصخور والأنفاق المحصّنة، حيث تصبح الجغرافيا نفسها جزءاً من منظومة الدفاع.
وفي قلب هذا المشهد يبرز جبل الفأس الإيراني، القريب من منشأة نطنز النووية، والذي تحول خلال عام 2026 إلى محور اهتمام أمريكي وإسرائيلي متزايد، بعدما ظهرت معلومات استخباراتية تتحدث عن احتمال نقل إيران أجهزة طرد مركزي متطورة إلى منشأة عميقة تحت الجبل.
ولم يعد السؤال المطروح في واشنطن مقتصراً على حجم البرنامج النووي الإيراني أو مستوى تخصيب اليورانيوم، بل أصبح يتعلق بمكان وجود القدرات النووية الإيرانية، ومدى قدرة الولايات المتحدة على الوصول إليها إذا كانت محصنة داخل منشآت تحت الأرض.
وقد زاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من حدة هذا الجدل عندما تحدث عن احتمال استهداف جبل الفأس، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تتابع ما يجري داخله، وأن المنشأة قد تصبح هدفاً عسكرياً.
لكن ما الذي نقلته إيران بالفعل إلى هذا الجبل؟ وهل تخفي داخله أجهزة الطرد المركزي أم مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب؟ ولماذا يمثل هذا الموقع تحدياً عسكرياً واستخباراتياً للولايات المتحدة؟
المحور الأول: ماذا نقلت إيران إلى جبل الفأس؟
بحسب التقييم الاستخباراتي الإسرائيلي الذي نقلته تقارير صحفية في يوليو 2026، فإن إيران نقلت آلاف أجهزة الطرد المركزي إلى المنشأة الجبلية، بعد الحرب التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو 2025.
وتكمن أهمية هذه الأجهزة في أنها تمثل العمود الفقري لعملية تخصيب اليورانيوم؛ إذ تسمح برفع نسبة تركيز اليورانيوم، وهي عملية يمكن استخدامها لإنتاج الوقود النووي، كما يمكن أن تساهم في إنتاج مواد تدخل في صناعة الأسلحة النووية إذا وصلت إلى مستويات التخصيب المطلوبة.
وتشير تحليلات صور الأقمار الصناعية إلى أن إيران واصلت أعمال الحفر والتحصين، وعززت مداخل الأنفاق والطرق المؤدية إليها. كما يرى خبراء أن حجم المنشأة قد يتجاوز مجرد استخدامها لتجميع أجهزة الطرد المركزي، وربما يسمح مستقبلاً بإقامة منشأة للتخصيب.
لكن لا توجد حتى الآن أدلة علنية مستقلة تثبت نقل جميع الأجهزة المزعومة أو تشغيل منشأة تخصيب داخل الجبل، كما لا يوجد تأكيد موثوق بأن مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% نُقل إلى هناك.
المحور الثاني: هل يحتاج ترامب فعلاً إلى قنبلة نووية لتدمير جبل الفأس؟
تكمن المعضلة العسكرية التي يمثلها جبل الفأس في عمق المنشأة والتحصينات الصخرية المحيطة بها. فالمسألة لا تتعلق بمجرد تدمير مبنى أو منشأة فوق سطح الأرض، بل باستهداف شبكة أنفاق يُعتقد أنها تقع على عمق كبير داخل الجبل، ما يجعل الوصول إليها تحدياً أمام أكثر الأسلحة التقليدية تطوراً.
وقد أثار المعلق الأمريكي تاكر كارلسون في الثاني من نوفمبر 2026 جدلاً واسعاً عندما ادعى أن إدارة ترامب قد تكون على بعد أيام من تنفيذ ضربة نووية ضد الموقع، زاعماً أن القنابل التقليدية الأمريكية لا تستطيع اختراق نحو 300 قدم من الصخور الصلبة، وأن الخيار العسكري الوحيد هو استخدام سلاح نووي.
لكن هذا الطرح يمثل ادعاءً سياسياً وإعلامياً، وليس إعلاناً عن قرار أمريكي باستخدام السلاح النووي، ولا توجد أدلة مستقلة تثبت أن واشنطن اتخذت مثل هذا القرار.
واللافت أن ترامب نفسه تحدث عن إمكانية استخدام قنبلة ضخمة من طراز MOAB، المعروفة إعلامياً باسم «أم القنابل»، وهي قنبلة تقليدية غير نووية، واصفاً تأثيرها بأنه يشبه القنبلة النووية الصغيرة، مع تأكيده أنها ليست سلاحاً نووياً.
لكن السؤال الأعمق هو: هل تستطيع الولايات المتحدة تدمير المنشأة دون تدمير ما حولها؟
إن استهداف منشأة عميقة تحت الأرض لا يضمن بالضرورة تدمير كل ما بداخلها، حتى مع استخدام أسلحة شديدة القوة. كما أن طبيعة الصخور والأنفاق وتوزيع المنشآت الداخلية تفرض تحديات تتعلق بتقييم الأضرار الفعلية بعد الضربة.
ويشير تحليل معهد العلوم والأمن الدولي إلى أن المنشأة تتمتع بتحصينات كبيرة، وأن بعض مداخل الأنفاق جرى تعزيزها، ما يزيد صعوبة استهدافها بالذخائر الخارقة للتحصينات. كما أن صور الأقمار الصناعية وحدها لا تكفي لإثبات أن المنشأة أصبحت تعمل بكامل طاقتها.
المحور الثالث: لماذا يمثل جبل الفأس معضلة استراتيجية لإسرائيل والولايات المتحدة؟
لا تنظر واشنطن وتل أبيب إلى جبل الفأس باعتباره مجرد منشأة نووية إضافية، بل باعتباره جزءاً من معادلة الردع الإيرانية المستقبلية.
فإذا تمكنت إيران من إنشاء بنية نووية محصنة داخل الجبال، فإن ذلك قد يمنحها قدرة أكبر على حماية بعض مكونات برنامجها النووي من الضربات الجوية، ويجعل تكرار العمليات العسكرية ضد منشآتها أكثر تعقيداً.
ومن المنظور الإسرائيلي، تبرز مخاوف من أن يؤدي بقاء هذه المنشأة إلى تمكين إيران من إعادة بناء قدراتها النووية بعيداً عن الرقابة العسكرية المباشرة.
أما الولايات المتحدة، فتواجه معادلة أكثر تعقيداً: كيف تمنع إيران من امتلاك سلاح نووي دون الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة أو استخدام أسلحة ذات آثار لا يمكن احتواؤها؟
وفي هذا السياق، نقلت تقارير في مطلع نوفمبر وجود تباينات داخل الإدارة الأمريكية بشأن استئناف العمليات العسكرية، بين اتجاه يدفع نحو مواصلة الضغط العسكري واتجاه يفضل إعطاء المسار الدبلوماسي فرصة إضافية.
المحور الرابع: الخطر الإشعاعي.. هل يمكن أن تصل تداعيات استهداف جبل الفأس إلى دول الخليج؟
لا تقتصر المخاطر المترتبة على استهداف المنشآت النووية الإيرانية على الأضرار العسكرية أو تدمير البنية التحتية للبرنامج النووي، بل تمتد إلى احتمال وقوع حادث إشعاعي قد يفتح جبهة جديدة من المخاطر البيئية والصحية في منطقة الخليج.
وتكمن حساسية هذا الاحتمال في طبيعة المواد الموجودة داخل المنشآت النووية، وفي مقدمتها اليورانيوم وغاز سادس فلوريد اليورانيوم المستخدم في عمليات التخصيب، وهو مركب شديد الخطورة من الناحية الكيميائية، ويمكن أن يتفاعل مع الرطوبة وينتج مواد سامة وخطرة.
وفي حال تعرض منشأة تحتوي على هذه المواد لضربة عسكرية، فإن مستوى الخطر يعتمد على طبيعة المواد الموجودة، وحالتها الفيزيائية، وحجم الأضرار التي لحقت بالمنشأة، وما إذا كانت المواد قد تسربت إلى البيئة الخارجية.
لكن من الضروري التمييز بين التلوث الكيميائي والإشعاعي؛ فليس كل استهداف لمنشأة تخصيب يعني حدوث كارثة نووية أو انتشار سحابة إشعاعية عابرة للحدود.
وقد سبق أن حذرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خلال الهجمات على منشأة نطنز في يونيو 2025، من وجود تلوث إشعاعي وكيميائي داخل المنشأة، بينما أكدت أن مستويات الإشعاع خارج الموقع ظلت ضمن المستويات الطبيعية آنذاك.
أولاً: هل يمكن أن تصل المواد المشعة إلى الإمارات ودول الخليج؟
من الناحية العلمية، يعتمد انتقال الملوثات الإشعاعية على عدة عوامل، من بينها:
اتجاه الرياح وسرعتها: إذ يمكن للرياح أن تنقل بعض الجسيمات المحمولة جواً باتجاه مناطق أخرى، وفق الظروف الجوية.
نوع المادة المتسربة: فخصائص اليورانيوم ومركباته تختلف عن نواتج الانشطار النووي الناتجة عن حادث في مفاعل نووي.
كمية المواد المنبعثة: فالتسرب المحدود داخل منشأة لا يعادل إطلاق كميات كبيرة إلى الغلاف الجوي.
الظروف الجوية والبحرية: بما في ذلك الأمطار وحركة الهواء والتيارات البحرية، إذا وصلت الملوثات إلى البيئة البحرية.
إن قضية جبل الفأس الإيراني تتجاوز كونها مواجهة عسكرية محتملة بين الولايات المتحدة وإيران؛ فهي تكشف عن مرحلة جديدة من الصراع على مستقبل التوازن النووي في الشرق الأوسط، حيث لم تعد المنشآت النووية مجرد أهداف عسكرية، بل أصبحت جزءاً من معادلة الردع والسيادة والأمن الإقليمي.
فإذا كانت إيران قد نجحت في نقل قدرات نووية إلى أعماق الجبال وتحصينها، فإن واشنطن تواجه تحدياً مختلفاً عن المواجهات السابقة، يتمثل في كيفية تعطيل هذه القدرات دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة أو اللجوء إلى خيارات عسكرية قد تتجاوز آثارها حدود ساحة المعركة.
أما استخدام السلاح النووي، إن طُرح بوصفه احتمالاً، فلن يكون مجرد تصعيد في حجم القوة المستخدمة، بل تحولاً خطيراً في قواعد الصراع الدولي، ورسالة قد تعيد العالم إلى مرحلة يصبح فيها التهديد النووي أداة مباشرة في إدارة الأزمات السياسية والعسكرية.
وبالنسبة لدول الخليج، فإن الخطر لا يكمن فقط في اندلاع مواجهة بين واشنطن وطهران، وإنما في التداعيات التي قد تطال أمن الطاقة والملاحة البحرية والبيئة والصحة العامة، خصوصاً إذا تعرضت منشآت نووية أو مواد إشعاعية للتلف والتسرب.
إن الجبال قد تحمي المنشآت من القنابل، لكنها لا تستطيع بالضرورة حماية المنطقة من عواقب الحرب. وفي عالم تتداخل فيه الحسابات النووية مع المصالح الجيوسياسية، قد تكون كلفة الضربة أكبر بكثير من الهدف الذي أُطلقت من أجله.
فالحروب قد تنتهي بتوقيع الاتفاقيات، لكن بعض آثارها قد تبقى أطول من أعمار الذين أشعلوها.
بقلم : فاتن الحوسني
كاتبة وصحفية وباحثة في الشؤون الدولية
متخصصة في تحليل التطورات السياسية والجيوسياسية وقضايا الأمن الدولي



(
(






