|  آخر تحديث أكتوبر 22, 2026 , 16:53 م

في فِقْهِ المَسَافَات


في فِقْهِ المَسَافَات



 

عن أهلِ الفَضْلِ، وَأَهْلِ الفُضُولِ، وَأَثَرِ الاِخْتِيَارِ فِي جَوْدَةِ الحَيَاة

ليس كل من نعرفهم يحتلّون المكانة ذاتها في نفوسنا، وإن جمعتنا بهم سنوات من العشرة. فثمة أشخاص يمنحون حضورهم معنى، وآخرون لا نكتشف أثرهم الحقيقي إلا حين نتأمل ما تتركه صحبتهم فينا من طمأنينة أو ضيق. وبين هؤلاء وأولئك تتشكل إحدى أهم مهارات الحياة: أن نعرف مَن يستحق أن نقرّبه، وكيف نحفظ لكل علاقة قدرها دون أن نظلم أحدًا أو نتنازل عن أنفسنا.

أهل الفضل لا يُعرفون بكثرة ما يقدمونه، بل بنبل ما يقدمونه. هم الذين لا يجعلون المعروف دينًا، ولا يحوّلون المحبة إلى سلطة، ولا ينتقصون من قدرنا حين نختلف معهم. معهم لا نحتاج إلى الحذر من عفويتنا، ولا إلى تبرير نجاحنا، ولا إلى الخشية من أن تصبح لحظات ضعفنا مادة للحديث. ولأن حضورهم قد يألفه القلب حتى ينسى قيمته، فإن الوفاء لهم يبدأ من ألّا نعامل إخلاصهم بوصفه أمرًا مضمونًا؛ فبعض الحقوق لا تُصان بكثرة الثناء، بل بصدق التقدير حين يكون له معنى.

أما أهل الفضول، فمشكلتهم ليست في السؤال ذاته، وإنما في الاعتقاد بأن القرب يمنح صاحبه حقًّا في كل ما لا يخصّه. يتجاوز أحدهم حدود ما نختار البوح به، ثم يستغرب تحفظنا، كأن الخصوصية إساءة إلى العشرة، وكأن الاهتمام لا يكتمل إلا بمعرفة التفاصيل والتعليق عليها. وهنا يختلط الحرص بالتدخل، وتغدو المجاملة بابًا مفتوحًا لما لم نأذن به.

لكن الفارق بين الاهتمام والفضول لا يُحسم بالظنون وحدها. فقد يسيء المحب التعبير عن حرصه، وقد يأتي النقد من شخص يرى ما غاب عنا. لذلك، لا تكشف حقيقة العلاقة زلة عابرة بقدر ما تكشفها استجابة صاحبها حين نوضح له ما نرتضيه وما لا نرتضيه. فالذي يحترمنا قد يخطئ في فهم حدودنا، لكنه لا يصرّ على إلغائها بعد أن تتضح له.

ولعلّنا نطيل احتمال ما يضايقنا لأننا نخلط بين الوفاء والتنازل، ونخشى أن يُساء فهم الحزم فيُحسب جفاءً. فنؤجل كلمة كان ينبغي أن تُقال، ونساير موقفًا لا نقبله، حتى تتراكم المجاملات فوق مشاعر لم تجد طريقها إلى التعبير. وعندئذ لا تعود العلاقة كما كانت إذ قد يبقى الودّ في ظاهرها، بينما يتراجع في داخلنا الشعور بالارتياح إليها.

ومع ذلك، لا تكتمل نزاهتنا في الحكم على الآخرين ما لم نراجع أحكامنا على أنفسنا. فليس كل من يخالفنا متجاوزًا، ولا كل سؤال يزعجنا تطفلًا، ولا كل نقد انتقاصًا من شأننا. أحيانًا نسمّي ما لا يوافق رغبتنا تعديًا على حدودنا، بينما يكون ما نحتاج إليه حقًا هو شجاعة الإصغاء. والتمييز بين الأمرين هو ما يحول دون أن يصبح الحرص على الذات ذريعة للانغلاق، أو تتحول التجارب المؤلمة إلى مبرر لسوء الظن بالناس.

من هنا، لا يكون القرار الحكيم في قطع العلاقات أو الإبقاء عليها كيفما اتفق، بل في إعادة تقديرها على ضوء حقيقتها. فقد تستقيم علاقة حين تتضح حدودها، وقد تتغير أخرى لأن ما كان يجمعها بنا لم يكن متينًا كما تصورنا. وليس في ذلك انتصار لطرف أو هزيمة لآخر إنما هو اعتراف بأن العلاقات تتفاوت في قدرتها على منحنا المودة والاحترام، وأن استمرارها وحده لا يكفي دليلًا على صلاحها.

وحين نُحسن توزيع المسافات، نمنح أهل الفضل ما يليق بهم من ودّ ووفاء، ولا نترك لأهل الفضول حقًا لم تمنحهم إياه المحبة أو العشرة. نفعل ذلك دون تجريح، ودون أن نحمل كل اختلاف معنى الخصومة. فليس مطلوبًا أن نُسيء إلى من لا نقرّبه، كما ليس من الوفاء أن نُهمل من أحسن إلينا.

لعلّ النضج أن ندرك أن الناس لا يستحقون منا المقدار نفسه من القرب، وإن استحقوا جميعًا أن نعاملهم بإنصاف. فلأهل الفضل مكانة يحفظها الوفاء، ولأهل الفضول حدود يضبطها الوعي وبينهما نتعلم أن كرامة الإنسان لا تُصان بقسوة القلب، ولا بترك أبوابه مشرعة، بل بحكمة تعرف متى تقترب، ومتى تكتفي بمسافة تحفظ للودّ ما بقي منه جميلًا.

 

 

بقلم المحامية شيرين كم نقش


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com