وجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، رسالة إلى الإعلاميين، وذلك ضمن كتابه «الرسائل» الذي أطلقه سموه، ويضم 26 رسالة موجهة إلى أبنائه وأسرته وفريق عمله وأبناء وطنه والعالم، تختصر خلاصة ستة عقود في العمل العام، لتشكل مرجعاً معرفياً وفكرياً للأجيال الحالية والقادمة.
وقال سموه في رسالته:
رسالة إلى إعلامي
أخي الإعلامي..
علّمتني الحياة أن كلماتنا تصنعنا.. ما نكتبه ونقرأه يصنع وعينا.. ما نردده أمام أطفالنا يحدد مستقبلنا.. ما نتداوله في مجتمعنا يصنع ثقافتنا.. ما ننشره في منصاتنا يحدد هويتنا.
علّمتني الحياة أن الكلمات تنهض بالمجتمعات، أو تحطمها، الكلمات تبني الجسور، أو تهدمها، الكلمات قد تنشر الأفراح، أو تعمّق الجراح، الكلمات إما شجرات مثمرات ينتفع بها الناس، أو نبتات شيطانية خبيثة تهدم العلاقات وتغرس الكراهية بينهم، والإعلامي يختار كلماته كما يختار طريقه في الحياة.. يبني الجسور أو يهدمها، يقرّب المجتمعات أو يقسّمها.
كلمة الإعلامي هي شرفه، ومسؤوليته، وإرثه.
أخي الإعلامي.. حذارِ من سموم الكلمات.. فالكلمات المسمومة تتسلل إلى المجتمعات ببطء، فيتحوّل المجتمع بعد سنوات من مجتمع مسالم متسامح إلى مجتمع يعتاد عنف الألفاظ، وعنف المشاعر، ولا يبقى بعد ذلك إلا عنف الأفعال.
في عام 1993 انطلقت إذاعة شبابية عصرية في أفريقيا، اسمها إذاعة وتلفزيون الألف تلة الحرة، إذاعة تبثّ الأغاني الشبابية المرحة، والبرامج الترفيهية الخفيفة، وتتحدث مع الناس بلغة شعبية سهلة قريبة منهم، فنالت إعجاب الملايين، وانتشرت بشكل سريع خلال فترة وجيزة، فكان يسمعها المزارع في مزرعته، والشاب في سيارته، والمراهق في بيته، لكن خلف المظهر الإعلامي الحديث كانت تختفي أجندة مختلفة كلياً.
بدأت الإذاعة الرواندية بالتقليل والانتقاص من شأن قبائل كانت تعيش معهم جنباً إلى جنب في دولة واحدة منذ مئات السنين.. التقليل من شأن قبائل التوتسي، بدأت الكلمات يوماً بعد يوم كجرعات صغيرة من السموم: «هم أقل منا».. «إنهم يكرهوننا».. «إنهم ليسوا بشراً».. «إنهم صراصير».
وهكذا تحوّلت قبائل كاملة بهذه الكلمات إلى مصدر خطر، وإلى كيان أقل من الإنسان، وترافق ذلك مع محتوى يبثّ الإشاعات والمبالغات والقصص الملفّقة، والتخويف منهم، ثم تحوّل التلميح إلى تصريح في عام 1994، حيث بدأوا بتحريض المستمعين على القتل.
مع تحديد الأسماء، وذكر أماكن الاختباء، والطرق التي يهربون عبرها، ووصلت الكلمات إلى الملايين، وبدأت المذابح التي راح ضحيتها أكثر من 800 ألف إنسان في 100 يوم فقط، فيما يوصف بأنه من أسرع عمليات القتل الجماعي في التاريخ الحديث.
كلمات فقط كانت كفيلة بقتل آلاف الأشخاص، حتى إن المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا أدانت لاحقاً الإذاعة والقائمين عليها بالإبادة الجماعية وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وقالت القاضية كلمتها المشهورة: «بدون بندقية أو سواطير، استطعتم إبادة الآلاف».
لا تؤدي كل الكلمات إلى حروب، لكن كل الحروب تبدأ بكلمات، وليست الحرب الطائفية في العراق عام 2006 والتي راح ضحيتها الآلاف إلا شاهداً على ذلك.. أبناء عم، وأبناء قبائل عاشوا معاً لمئات السنين، يقتلون بعضهم بسبب الكلمات المسمومة.
الإعلام أخطر سلاح لأنه يصنع الوعي، والإعلامي الحقيقي ليس الذي يقف خلف الميكرفون، بل الذي يدرك خطورته.
إذا زرع الإعلامي الأمل، حصدنا الإنجازات.
إذا زرع الإعلامي الثقة في البشر، حققنا المعجزات.
إذا زرع الإعلامي المحبة بين المجتمعات، حصدنا الازدهار والاستقرار.
وهناك من يزرعون الكراهية، لأنهم يريدوننا أن نحصد الانقسام، يحوّلون الاختلاف في الرأي إلى خصومات، ويحوّلون الخلافات إلى عداوات، ويعتاشون على التحريض بين المجتمعات.. هم الأعداء الحقيقيون للاستقرار، التهاون مع هذه الخطابات اليوم ستجنيها الأجيال القادمة انقسامات واضطرابات.
نعم، كلمة الإعلامي هي شرفه، ومسؤوليته، وإرثه.
علّمتني الحياة أن الإعلام طاقة كبيرة.. طاقة قد تنير مدينة كاملة، أو تحرقها.. طاقة قد تشعل حماسة عظيمة في النفوس، أو تطفئها.. طاقة قد تصنع جيلاً متفائلاً مقبلاً على المستقبل، أو جيلاً ثائراً ناقماً على الحياة.
الإعلامي الحقيقي لا يكون همّه رفع نسب المشاهدات، بل صنع محتوى يرتقي بالمجتمعات.
الإعلامي الحقيقي ليس من يجري خلف الفضائح والهفوات، ويغطي أخبار الفارغين والفارغات، بل من يبحث عن القدوات، ويبرز البطولات، ويقدم نماذج عظيمة للمجتمعات.
الإعلامي الحقيقي ليس ناقلاً للحدث، بل صانعاً للوعي.. ليس ناقلاً للقصة، بل صانعاً للثقافة.. فالأمة العظيمة تقوم على ثقافة عظيمة.
في الصين اليوم، أصبحت منصات التواصل تصمّم الخوارزميات التي تعطي أولوية لنشر وإبراز قصص النجاح الاقتصادي للشباب، وقصص البطولات التاريخية، ومقاطع التجارب العلمية، والاختراعات التقنية، لا المقاطع السطحية التافهة؛ لأنهم يريدون جيلاً جاداً يصنعون به المستقبل وينافسون به العالم.
علّمتني الحياة أن الإعلام ليس مجرد كلمات، بل هو ثقة يزرعها، وأجيال يلهمها، ونهضة يبنيها، وشعوب يوحدها.
الحياة رسالة.. الإعلام رسالة..
أخوكم.. محمد بن راشد آل مكتوم
سموه:
ما نكتبه ونقرأه يصنع وعينا وما نردده أمام أطفالنا يحدد مستقبلنا
ما نتداوله في مجتمعنا يصنع ثقافتنا وما ننشره في منصاتنا يحدد هويتنا
الكلمات إما شجرات مثمرات ينتفع بها الناس أو نبتات شيطانية تهدم العلاقات
الإعلامي يختار كلماته كما يختار طريقه في الحياة.. يبني الجسور أو يهدمها
الحياة رسالة.. والإعلام رسالة وأخطر سلاح لأنه يصنع الوعي
الإعلام ثقة يزرعها.. وأجيال يلهمها.. ونهضة يبنيها.. وشعوب يوحدها
الإعلامي الحقيقي كما يراه سموه:
* ليس ناقلاً للحدث بل صانعاً للوعي
* ليس ناقلاً للقصة بل صانعاً للثقافة
* يصنع محتوى يرتقي بالمجتمعات
*يبحث عن القدوات ويبرز البطولات
* يقدم نماذج عظيمة للمجتمعات