بقلم: شيخة ضاعن الراشدي
في مواسم الطاعة تتجلّى رحمة الله بعباده، وتأتي العشر الأوائل من ذي الحجة كأعظم نفحات الخير والإيمان، أيامٌ مباركة تتنزّل فيها الرحمات، وتُرفع فيها الدعوات، وتُفتح فيها أبواب السماء لعبادٍ أقبلوا على ربهم بقلوبٍ خاشعة وأرواحٍ موقنة. وقد عظّم الله شأنها حين أقسم بها في كتابه الكريم فقال سبحانه:
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾،
فما أقسم الله بشيءٍ إلا لعظيم منزلته وعلوّ قدره.
إنها أيامٌ ليست كغيرها من الأيام، بل هي موسمٌ رباني تُغسل فيه القلوب من غبار الدنيا، وتُبعث فيه الأرواح من جديد. ففي هذه العشر تجتمع أجلّ العبادات وأحب الأعمال إلى الله؛ من صلاةٍ وصيام، وصدقةٍ وذكر، ودعاءٍ واستغفار، وحجٍ يملأ الأرض نورًا وتلبية. وقد قال رسول الله ﷺ:
«ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام».
وفي هذه الأيام المباركة يشعر المؤمن بالقرب الحقيقي من الله، فيلين قلبه، وتصفو نفسه، وتزداد رحمته بالناس، وكأن الرحمة الإلهية تُحيط به من كل جانب. ترتفع أصوات التكبير في المساجد والبيوت والطرقات:
“الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد”،
فتغمر السكينة الأرواح، ويشعر الإنسان بعظمة الخالق وجلاله.
ثم يأتي يوم عرفة، ذلك اليوم العظيم الذي تُغفر فيه الذنوب، وتُعتق فيه الرقاب من النار، يومٌ تتجه فيه القلوب إلى السماء قبل الأيدي، وتفيض فيه العيون بالدموع رجاء الرحمة والمغفرة. يقف الحجاج على صعيد عرفات بقلوبٍ مملوءة بالخشوع، بينما يشاركهم المسلمون في كل مكان بالدعاء والصيام والابتهال.
وبعده يشرق عيد الأضحى المبارك، عيد الطاعة والتضحية، عيد المحبة وصلة الأرحام والتكافل بين الناس، حيث تتجسد معاني العطاء والإحسان، ويشعر الفقير قبل الغني بفرحة العيد وبركاته.
إن فضل العشر من ذي الحجة لا يُقاس بعدد أيامها، بل بما تزرعه في القلوب من نورٍ وإيمان، وما تفتحه للعبد من أبواب التوبة والسكينة. فهي فرصةٌ عظيمة قد لا تتكرر، وموسمٌ كريم للفوز برضا الله ومحبته.
فطوبى لمن اغتنم هذه الأيام بالصلاة والذكر والدعاء، وعمّرها بالأعمال الصالحة، ليخرج منها بقلبٍ أنقى، وروحٍ أقرب إلى الله، ونفسٍ امتلأت يقينًا وسلامًا.



(
(






